سوق “الجمعة” في دير الزور.. اقتصاد يصمد أمام الأزمات الخانقة

عنب بلدي 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

دير الزور – مروان المضحي

يستمر سوق “الجمعة” في مدينة دير الزور، شرقي سوريا، بفرض حضوره كأحد أهم التجمعات التجارية الشعبية، رغم المتغيرات التي فرضتها الحرب.

ويمثّل سوق “الجمعة” في دير الزور الرئة الاقتصادية لكثير من أبناء المدينة وريفها، ومنهم عدنان الجاسم، نظرًا إلى ما يوفره من احتياجات متنوعة وأدوات مستعملة بأسعار مناسبة.

يتمسك عدنان بهذه العادة الأسبوعية، التي بدأت منذ ما قبل الحرب، وقال لعنب بلدي، إن القيمة الحقيقية للسوق تظهر في ساعاته الأولى، حيث تتوفر السلع الأجود قبل أن يتزايد الإقبال، وهو ما يدفعه دائمًا للزيارة المبكرة بصحبة أصدقائه.

يقع السوق عند مدخل المدينة بين الجبل والمقابر، حيث يجتمع مئات الباعة والزوار في موعد أسبوعي ثابت، يتجاوز مفهوم البيع والشراء.

ووسط الظروف المعيشية القاسية، تحول السوق إلى ضرورة للتبضع وصار ملتقى اجتماعيًا يختزل ذاكرة المدينة اليومية، ويقدم صورة واقعية عن مرونة المجتمع الديري في مواجهة تداعيات الواقع.

تاريخ السوق وأهميته

لا يمكن الحديث عن سوق “الجمعة” في دير الزور كحدث طارئ، فهو يمتد في ذاكرة المدينة لعقود طويلة تاريخيًا، إذ ارتبطت أسواق “الجمعة” في المدن السورية بالريف المحيط بها، حيث كان الفلاحون والبدو يقصدون المدينة في نهاية الأسبوع لتصريف منتجاتهم وشراء احتياجاتهم.

في دير الزور، يكتسب السوق أهمية جغرافية وتاريخية خاصة، بموقعه القريب من الجبل المطل على المدينة الذي يعطيه رمزية عالية، حيث يطل على الفرات من جهة، وعلى بادية الشام من جهة أخرى.

قديمًا، كان يُعرف بأنه سوق الفقراء، لكنه اليوم أصبح للجميع، إذ تكمن أهميته في كونه حلقة الوصل الاقتصادية الأقوى بين الريف والمدينة، بحسب رؤى الخرابة، التي تسكن في المدينة، ففيه تذوب الفوارق الطبقية، ويلتقي أبناء المدينة والريف، في مشهد تكافلي يعزز الروابط الاجتماعية التي حاولت الظروف تمزيقها.

وقالت رؤى، إن السوق ليس لمجرد التجارة، بل وصفته بأنه “برلمان شعبي” يناقش فيه الناس أحوال المدينة، وأخبار المطر، وأسعار المحاصيل، وهموم المعيشة.

ساحة ترابية تتحول إلى خلية نحل

تبدأ العربات والشاحنات الصغيرة بالوصول إلى الساحة، لا توجد هنا عقود إيجار ولا محال أسمنتية، فالمساحة لمن يسبق، والرزق لمن يأتي اولًا.

يفترش الباعة الأرض، يمدون الشوادر أو قطع القماش، وينصبون الأكشاك الخشبية البسيطة التي تفك وتركب في ساعات، بحسب ما قاله موفق الموسى، أحد سكان المدينة.

ويتحدث أحمد عن نغمة الضجيج في السوق، خاصة نداءات الباعة المتداخلة، ومساومات الزبائن وضحكات الأطفال الذين يرافقون آباءهم.

يضم السوق كل ما قد يخطر على البال، من أثاث مستعمل يحمل قصص بيوت رحل أصحابها أو تغيرت أحوالهم، إلى أدوات زراعية، وملابس شعبية (الجلابيات والشماغات)، وحتى “الأنتيكا” والعملات القديمة التي يبحث عنها الهواة.

أصوات تعكس الواقع

الحاج محمود الأزرق، أحد رواد السوق الدائمين، قال لعنب بلدي، إن هذا السوق هو رئة المدينة.

وأضاف أنه يأتي إليه منذ 40 عامًا، مشيرًا إلى أن السوق، قديمًا، كان “يعج بالخيرات التي لا تعد”، وفق تعبيره، واليوم رغم الغلاء وضيق الحال، ما زال هو الوجهة.

“هنا تجد الصدق في التعامل، وتجد البساطة. نحن لا نأتي لنشتري فقط بل لنرى وجوه بعضنا البعض، لنتأكد أن دير الزور ما زالت بخير، وعندما أرى الشباب والأطفال يعملون بحماس، أشعر أن الأرض لن تموت”، قال محمود.

غادة الخليل، سيدة من ريف دير الزور، تقف خلف بساط صغير لبيع الألبان والخضار، قالت لعنب بلدي، إنها تخرج من قريتها مطلع الفجر، حاملة ما جادت به الأرض والماشية إلى سوق “الجمعة”، لتصريف بضائعها.

وأضافت أنه لولا هذا المكان لما استطاعوا تدبير أمور بيوتهم، فالزبائن هناك يعرفونهم، ويثقون بمنتجاتهم البلدية.

“رغم التعب والوقوف لساعات تحت الشمس أو في البرد، فإن لقمة الحلال لها طعم مختلف”، بحسب تعبير غادة.

ويمثّل سوق “الجمعة” حالة من “اقتصاد الصمود” في ظل الأزمات الخانقة التي تمر بها المنطقة، حيث يوفر السوق بديلًا رخيصًا للعائلات ذوي الدخل المحدود.

ويمكن لرب أسرة أن يكسو أطفاله من السوق بمبلغ زهيد مقارنة بالمتاجر الفخمة في وسط المدينة.

وإلى جانب القيمة المادية، تبرز القيمة المعنوية، فالسوق يكسر العزلة الاجتماعية في دير الزور، إذ إن الذهاب للسوق بمثابة “السيران”، فترى العائلات تتجول، وتتناول الفول أو الذرة من الباعة المتجولين، مما يخلق حالة من البهجة المجانية، التي تلطف قسوة الواقع، بحسب أهالٍ قابلتهم عنب بلدي.

ما وراء الغبار

رغم الحيوية، يعاني السوق من نقص الخدمات الأساسية، فالأتربة المتطايرة صيفًا، والوحل شتاء، يشكلان عائقًا أمام الباعة والزبائن، كما أن غياب التنظيم الرسمي أحيانًا، يؤدي إلى فوضى في حركة السير عند المداخل.

ويطالب الأهالي بضرورة الالتفات لهذا المعلم الشعبي، وتجهيز الساحة بالحد الأدنى من المرافق التي تحفظ كرامة البائع والمشتري.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق