الغضب الذي لا يعرف طريقه.. قراءة نفسية في المشهد الساحلي

عنب بلدي 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

أحمد عسيلي

شهد الأسبوع الماضي خروج مظاهرات في عدد من المناطق ذات الأغلبية العلوية في الساحل السوري، شملت مدنًا ساحلية وامتدت، بدرجات متفاوتة، إلى معظم أماكن الوجود العلوي. جاءت هذه التحركات في سياق سلسلة من الإضرابات التي دُعي إليها سابقًا، واختلف مستوى الالتزام بها من منطقة إلى أخرى. تقول شريحة واسعة من السوريين، إن هذه التحركات جاءت استجابة لدعوات أطلقها الشيخ غزال غزال، المحسوب على نظام الأسد، مستدلين على ذلك بدعوته التي أطلقها عبر صفحاته مع تحديده لتاريخ المظاهرات، وبالهتافات التي صدحت باسمه في الشارع، بينما يرى بعضهم أنها استجابة لنداءات أطلقها مثقفون وناشطون علويون.

على أي حال، لا يمكن فصل هذه المظاهرات عن مسار حراك علوي معارض للسلطة بدأ منذ لحظة التحرير، وكانت تجلياته الأولى في 25 من كانون الأول 2024، أي بعد نحو 17 يومًا من سقوط النظام، في أزمة عُرفت آنذاك بأزمة ضريح الخصيبي، أي قبل مجازر الساحل بكثير.

تبع هذه التحركات، في مساء اليوم نفسه، خروج مسيرات في عدد من المناطق ذات الأغلبية السنية، مؤيدة للسلطة الحالية، بوصفها رد فعل مباشرًا على مظاهرات الظهيرة، ولم تخلُ هذه المسيرات من شعارات حادة، وترافقت في بعض المناطق مع خروقات واعتداءات طالت بعض العلويين، ما أعاد إلى الواجهة هشاشة السلم الأهلي وسهولة انزلاق الشارع من التعبير السياسي إلى التوتر الهوياتي.

بالتأكيد، ثمة تباين عميق بين السنة والعلويين (أقصد هنا الحالة العامة، مع تباينات فردية واسعة) في قراءة المشهد السياسي منذ سقوط نظام الأسد، غير أن هذه المقالة لا تهدف إلى مناقشة مشروعية هذه القراءات أو تفنيدها، بقدر ما تسعى إلى تفكيك التداعيات النفسية لهذه الأحداث، ودراسة أنماط التفكير التي قادت كل مجموعة إلى تبني هذه المواقف المتقابلة.

من منظور نفسي، يمكن قراءة ما جرى بوصفه مثالًا واضحًا على ما يُعرف بآلية الاستثمار المضاد (Contre-investissement). فعندما يرتفع منسوب القلق الجماعي، لا يُواجَه هذا القلق بصورة مباشرة، بل يُقابَل بضخ طاقة انفعالية مضادة تهدف إلى استعادة الإحساس بالتماسك والسيطرة، في هذا السياق، فُهمت مظاهرات الظهيرة، بما حملته من غضب واعتراض، في المخيال السني لا كمطالب سياسية قابلة للنقاش، بل كتهديد محتمل لاستقرار هش، واستدعاء غير واعٍ لذاكرة طويلة من الخوف، فجاءت مسيرات المساء لا بوصفها تعبيرًا سياسيًا مستقلًا، بل كحركة دفاعية تهدف إلى تثبيت صورة الدولة بوصفها الضامن الأخير للأمان، غير أن هذا الاستثمار المضاد، بدل أن يخفف التوتر، أسهم في تعميق الانقسام في الشارع، إذ بات كل طرف يقرأ فعل الآخر بوصفه إدانة وجودية لا دعوة للحوار.

تتضح هذه الدينامية بشكل أوضح عند التوقف أمام دعوات الإضراب، فالإضراب، في السياقات السياسية الكلاسيكية، هو أداة ضغط منظمة، تقوم بها نقابات أو مجموعات مهنية متماسكة، بهدف شل الحركة الاقتصادية أو فرض تكلفة مباشرة على السلطة الحاكمة، إلا أن الحالة الراهنة تختلف جذريًا عن هذا النموذج، فالعلويون، بحكم توزعهم المهني والجغرافي، لا يشكلون كتلة اقتصادية قادرة على تعطيل فعلي، ولا يملكون قطاعًا إنتاجيًا يمكن أن يستخدم كورقة ضغط. من هنا، لا يضغط الإضراب على السلطة، ولا يغير في ميزان القوة، بل يتحول سريعًا إلى علامة هوياتية تُقرأ طائفيًا، مهما كانت نيات القائمين به.

يحدث هنا الفعل العكسي، بدل أن يُضعف الإضراب موقع السلطة، يعزز تمسك الشارع السني بها، بوصفها درعًا واقيًا في مواجهة ما يُتصوَّر أنه عصيان طائفي، ويتحول الحراك، من حيث لا يدري أصحابه، إلى مكسب سياسي مجاني للطرف الآخر، كمن يسعى لمواجهة خصمه فيقدم له هدية على طبق من ذهب. الأخطر من ذلك أن هذا المسار يفتح الباب أمام رد فعل سني هوياتي أيضًا، قائم لا على برنامج سياسي أو قراءة عقلانية للمشهد، بل على الخوف، ما يُدخل الطرفين في حلقة استقطاب متبادل يصعب كسرها.

في قلب هذه الحلقة، يمكن توصيف المزاج الانفعالي السائد بما يعرف في التحليل النفسي بـ”الغضب النرجسي” (Rage narcissique)، أي الغضب الناتج عن جرح عميق في صورة الذات الجماعية، وفقدان مفاجئ للمكانة والدور، هو غضب دفاعي بالأساس، لا يجد موضوعًا سياسيًا واضحًا يمكن توجيهه نحوه، ولا يمتلك قنوات منظمة للتعبير، فيتحول إلى أفعال رمزية واندفاعية تهدف إلى استعادة الإحساس بالقيمة والسيطرة، غير أن هذا النوع من الغضب، حين يُترك بلا احتواء أو ترميز، غالبًا ما يرتد على أصحابه قبل أن يصيب خصومهم، ويسهم في تعميق الانقسام بدل فتح أفق للخروج منه.

المشكلة الأعمق في هذه اللحظة لا تكمن في حدث بعينه، بل في تصاعد هذا الغضب ودخوله في حلقة مغلقة من الفعل ورد الفعل، بما ينذر بالوصول إلى حالة استعصاء تام تُشل فيها السياسة ويُطلق العنان للمخيال الخائف. أمام هذا المسار، لا يبدو أن ثمة مخرجًا واقعيًا سوى خفض التصعيد من الطرفين، وتكثيف التشبيك والحوار بين المجموعات كافة، دون مزاودة أو إقصاء، مع اعتراف متبادل بالمخاوف. كما أن تعزيز العلاقات الاجتماعية والاقتصادية العابرة للهويات، بحيث يصبح الانفصال مكلفًا وصعبًا، يشكل اليوم الخيار الوحيد الممكن قبل الوصول إلى نقطة اللاعودة.

اذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل/أرسلي تصحيحًا

إذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال ينتهك أيًا من المبادئ الأخلاقية أو المعايير المهنية قدم/قدمي شكوى

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق