نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
كيف تغيرت قواعد العلاقات بين الدول, اليوم السبت 9 مايو 2026 10:53 مساءً
لم تكن العلاقات بين الدول في الماضي بحاجة إلى كثير من الفحص والتحليل المرهق، صورة واضحة، تكاد تقرأ بالعين المجردة، بين عدو يظهر عداءه، وصديق صادق القرب، وحالة ضبابية وسطى تدار بحذر وابتعاد مفيد.
لم يكن من الصعب توصيف الآخر، ودون الحاجة للتفتيش خلف النوايا والكلمات والابتسامات.
فكل دولة تظهر ما تبطن إلى حد بعيد، ضمن قواعد ثابتة تحكمها المصالح المباشرة والتحالفات الصلبة.
في ذلك الزمن، لم يكن التجسس بين الحلفاء ظاهرة واسعة أو ضرورة يومية، لأن منطق العلاقات كان يقوم على قدر من الثقة المتبادلة أو واقع عداء صريح، بين صديق صدوق، وعدو لا يخفي عداءه.
علاقات هدوء وثقة، لا تهدد جوهر العلاقة ولا تدفع إلى الشكوك العميقة في النيات.
أما اليوم، فقد اختلط وانقلب هذا المشهد عالميا، حيث لم يعد بالإمكان الاعتماد على المظاهر الدبلوماسية لتحديد طبيعة العلاقات، ولم تعد البيانات الرسمية كافية لتثبيتها.
العالم أصيب بفيروس مرحلة جديدة من عدم الثقة، تداخلت فيها المصالح والتحالفات مع الأشرار بشكل غير مسبوق، وتعددت فيها مسارات التأثير والأطماع، حتى أصبحت العلاقة بين دولتين أقرب إلى معادلة معقدة مرتبطة بما لا يظهره الحال.
وفي هذا السياق، أصبح التجسس قاعدة شاملة، الكل يشك ويراقب الخصوم، والرماديين، بل وحتى الحلفاء والأصدقاء.
عصر لم تعد فيه الهوية، والقرب الجغرافي والتفاهم السياسي، والتبادل الاقتصادي ضمانا للثقة الكاملة، بل إنه قد يكون دافعا إضافيا للتحليل والتشكيك والمتابعة اللصيقة، من خشية تغير المواقف أو انقلاب المصالح على أهون سبب.
الدول اليوم لا تكتفي بما يقال لها وعنها، بل تبحث عما يخفى عنها، وتبني قراراتها على ما وراء التصريحات لا على ظاهرها.
تحولات عصرية أتت نتيجة طبيعية لعالم أطماع تزداد تعقيدا ضمن قرية كونية متصلة.
الإعلام والدبلوماسية والظواهر لم تعد ناقلا محايدا، ومواقع التواصل الاجتماعي تحولت إلى أدوات ضغط وتزوير وتوجيه شعبي، والاقتصاد صنع شبكات صيد متداخلة يصعب الفصل فيها بين الشريك والمنافس، ما يزيد تلويث العلاقات وجعلها معلقة بين مرحلة «لا وفاق ولا عداء بالكامل».
وأخطر ما في المشهد الحالي سرعة التحول، بمرونة العلاقات، وتقلبها السريع.
مواقف السياسة قد تتبدل خلال ساعات، وقد تعاد صياغة التحالفات بفعل حدث عابر أو تصريح يظهر الخافي، ما يجعل الحذر سمة أساسية في سلوك الدول نحو بعضها، والشك أداة ضرورية لفهم الواقع والبناء عليه وقتيا.
وحقيقة أن الفرق الجوهري بين الماضي والحاضر يكمن في طبيعة الإدراك السياسي، ففي الأمس، كانت الدول تبحث عن وضوح المواقف، أما اليوم فهي تتعامل مع غموض مقصود.
في الأمس، كانت الثقة ممكنة ضمن حدود معقولة، أما اليوم فهي مؤجلة دائما وقابلة للمراجعة في أي لحظة.
وهكذا، لم يعد السؤال: من هو الصديق ومن هو العدو؟ بل أصبح: إلى أي مدى يمكن الوثوق بهذا العدو، وإلى أي حد يجب الحذر من ذلك الصديق؟ وبين التباينات، تتحرك السياسة الدولية اليوم، في مساحة رمادية لا تعرف، ولا تعترف باليقين الكامل، بل تدار بعين ترى، وأخرى تراقب ما لا يرى.








0 تعليق