كي لا يخرج الحرس الثوري منتصرا من حرب خاسرة

مكه 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
كي لا يخرج الحرس الثوري منتصرا من حرب خاسرة, اليوم السبت 9 مايو 2026 10:53 مساءً

السؤال الأهم في إيران اليوم ليس متى تنتهي الحرب؟ بل أي نظام سيبقى بعدها. فالحروب لا تغير موازين القوة الخارجية فقط، بل تكشف هشاشة البنية الداخلية للدول، وتعيد توزيع السلطة بين مؤسساتها، وتدفع الفاعلين الأكثر تنظيما وصلابة إلى واجهة القرار.

في الحالة الإيرانية، يبدو الحرس الثوري المرشح الأبرز لملء الفراغ الذي تخلفه الحرب. ليس لأن إيران ستتحول بالضرورة إلى حكم عسكري معلن، فهذا ليس من طبيعة النظام ولا من لغته السياسية، بل لأن مركز القرار الفعلي سيتحرك أكثر فأكثر من المجال الديني والجمهوري إلى المجال الأمني والعسكري. وهنا تكمن خطورة المرحلة المقبلة: أن تنتهي الحرب بإضعاف إيران، لكنها في الوقت نفسه تمنح الحرس الثوري فرصة تاريخية لاحتكار الدولة من الداخل.

منذ قيام الجمهورية الإسلامية الخمينية، قام النظام الإيراني على توازن معقد بين ثلاث شرعيات: الشرعية الدينية التي يمثلها المرشد ومؤسسة الولاية، والشرعية الجمهورية التي تمنح النظام مظهرا انتخابيا ومؤسسيا، والشرعية الثورية الأمنية التي يحملها الحرس الثوري. في أوقات الاستقرار النسبي، كان يمكن إدارة هذا التوازن عبر توزيع الأدوار بين الرئاسة والبرلمان ومجلس صيانة الدستور ومكتب المرشد والحرس. أما في زمن الحرب، فإن هذا التوازن يضيق. تصبح الأولوية للأمن، والنجاة، والردع، وحماية النظام. وفي مثل هذه اللحظات، تتقدم المؤسسة التي تملك السلاح، والتنظيم، والاستخبارات، والقدرة على الحركة.

الحرب، في جوهرها، لا تخلق هذا التحول من العدم، لكنها تسرعه. فإيران كانت قبل الحرب تعاني من أزمة شرعية داخلية، وضغط اقتصادي، وتآكل اجتماعي، وتراجع ثقة قطاعات واسعة من المجتمع في المؤسسات الرسمية. كما أن موقع رجال الدين في الدولة لم يعد كما كان في العقدين الأولين بعد الثورة. بقيت الرمزية الدينية حاضرة، لكن القدرة الفعلية على ضبط المجتمع وإنتاج الإجماع السياسي تراجعت. وفي مثل هذه اللحظات، لا يبحث النظام عن الإقناع بقدر ما يبحث عن التماسك. ولا يذهب إلى السياسة بقدر ما يذهب إلى الأمن.

لهذا، فإن ما قد يخرج من الحرب ليس نظاما جديدا بالكامل، ولا استمرارا بسيطا للنظام القديم. الأرجح أن إيران ستتجه نحو صيغة هجينة: واجهة دستورية ودينية مألوفة، لكن بقرار أمني أكثر صراحة، وبنفوذ عسكري أعمق داخل الدولة. ستبقى المصطلحات القديمة حاضرة: الثورة، المقاومة، السيادة، الولاية، الانتخابات. لكن المعنى العملي لهذه المصطلحات سيتغير. فاللغة قد تبقى دينية أو جمهورية، بينما تكون آلية الحكم أكثر عسكرية.

المعضلة التي ستواجه الحرس الثوري ليست السيطرة وحدها. السيطرة قد تكون أسهل من الحكم. فالحرس يستطيع أن يملأ الفراغ، وأن يفرض الانضباط، وأن يدير الملفات الأمنية والعسكرية. لكن السؤال الأصعب هو: هل يستطيع تحويل نفوذه العسكري إلى نظام حكم مستقر؟ هنا تبدأ المشكلة الحقيقية. فإدارة دولة كبيرة ومعقدة مثل إيران، بتنوعها القومي والمذهبي والاجتماعي، وباقتصادها المثقل بالعقوبات، وبمجتمعها المتوتر، تحتاج أكثر من أجهزة أمنية وشبكات ولاء. تحتاج إلى حد أدنى من الشرعية، وإلى قدرة على توزيع الموارد، وإلى خطاب سياسي قادر على إقناع الداخل، لا مجرد تعبئته ضد الخارج.

التاريخ يقدم دروسا قاسية في هذا المعنى. الأنظمة التي تخرج من الحروب وهي أكثر عسكرة قد تبدو في البداية أكثر صلابة، لكنها تكون أحيانا أكثر هشاشة. فالعسكرة تمنح النظام قدرة على البقاء، لكنها لا تمنحه بالضرورة قدرة على التجدد. وهي تضبط الخلافات داخل الدولة، لكنها لا تعالج أسبابها. وإذا أصبح الأمن هو اللغة الوحيدة للحكم، فإن الدولة تخسر تدريجيا قدرتها على السياسة. وفي إيران تحديدا، سيكون هذا التحول أكثر خطورة لأن الحرس الثوري ليس جيشا تقليديا يقف على حدود الدولة، بل جهاز أيديولوجي واقتصادي وأمني عابر لمؤسساتها.

فقوة الحرس لا تأتي من السلاح وحده، بل من حضوره في الاقتصاد، والاستخبارات، والسياسة الخارجية، وشبكات الوكلاء، ومؤسسات التعبئة، وملفات الداخل. هذه القوة جعلته لعقود دولة داخل الدولة. لكنها قد تتحول بعد الحرب إلى الدولة نفسها. وكلما توسع نفوذ الحرس، زادت مسؤوليته عن الفشل الاقتصادي، وعن القمع الداخلي، وعن كلفة المغامرات الخارجية. وعندها يصبح من الصعب عليه أن يبقى قوة ظل تدير القرار من الخلف. الحرب قد تدفعه إلى الواجهة، والواجهة لا تمنح النفوذ فقط، بل تكشف المسؤولية أيضا.

من ناحية أخرى، لا يعني تراجع المؤسسة الدينية أنها ستختفي. الأنظمة لا تتخلى بسهولة عن رموزها المؤسسة. سيبقى الغطاء الديني ضروريا للحرس، لأنه يوفر له شرعية تاريخية ودستورية لا يستطيع إنتاجها وحده. لذلك قد لا نشهد قطيعة بين العمامة والبندقية، بل علاقة جديدة تكون فيها العمامة أكثر رمزية، والبندقية أكثر تقريرا. هذا التحول هو جوهر المرحلة المقبلة: ليس سقوطا مباشرا لولاية الفقيه، بل إعادة تعريفها تحت ضغط الضرورة الأمنية.

لكن هذا السيناريو ليس قدرا محتوما. فإذا كان جوهر الخطر في إيران هو انتقال مركز الدولة من المؤسسة السياسية والدينية إلى الحرس الثوري، فإن منع ولادة نظام عسكري أكثر صلابة يتطلب التعامل مع الحرس بوصفه العقدة المركزية في بنية النظام. لا يكفي إضعاف البرنامج النووي، ولا تحجيم الوكلاء الإقليميين، ولا فرض عقوبات مؤقتة على الاقتصاد. هذه أدوات مهمة، لكنها تبقى جزئية ما دام الحرس الثوري قادرا على إعادة إنتاج السلطة من الداخل.

لذلك، فإن أي تحول حقيقي في إيران يمر عبر إسقاط الحرس الثوري كقوة مهيمنة على الدولة. وليس المقصود هنا مجرد تغيير أسماء أو إزاحة قيادات واستبدالها بقيادات أخرى، بل تفكيك قدرة الحرس على احتكار السلاح، والقرار الأمني، والاقتصاد الموازي، والسياسة الخارجية، وشبكات النفوذ الإقليمي. فبقاء الحرس في موقعه يعني أن الحرب، مهما كانت كلفتها، قد تنتهي إلى نتيجة أخطر: نظام أقل أيديولوجية في خطابه، لكنه أكثر عسكرية في جوهره، وأكثر قدرة على القمع، وأقل قابلية للإصلاح.

وهنا تكمن المفارقة. فإضعاف النظام من دون إسقاط الحرس قد لا يؤدي إلى ولادة إيران أكثر اعتدالا، بل إلى إيران يحكمها جهاز أمني يرى في الضعف الداخلي سببا لمزيد من التشدد. أما تفكيك نفوذ الحرس، فهو الشرط الضروري لكي لا تتحول مرحلة ما بعد الحرب إلى إعادة إنتاج للنظام القديم بوجه عسكري أكثر قسوة. فالحرس لا يمثل مجرد ذراع للنظام، بل هو الآلية التي تسمح للنظام بالبقاء حين تفشل السياسة، ويتراجع الاقتصاد، وتضعف الشرعية.

أما المجتمع الإيراني، فهو الطرف الغائب ظاهريا والحاضر فعليا في كل الحسابات. فقد أظهرت السنوات الماضية أن الشارع الإيراني لم يعد كتلة صامتة، وأن أجيالا جديدة لم تعد ترى في خطاب الثورة ما رآه جيل 1979. هذه الفجوة بين الدولة والمجتمع ستزداد اتساعا إذا خرجت إيران من الحرب بنظام أكثر انغلاقا وأقل قدرة على الإصلاح. فالحرب قد تؤجل الأسئلة الداخلية، لكنها لا تلغيها. وقد تمنح النظام فرصة لتعبئة وطنية مؤقتة، لكنها لا تعالج أزمة الثقة التي تراكمت عبر سنوات.

لذلك، فإن مستقبل إيران بعد الحرب سيتوقف على قدرة النظام على إدارة ثلاث معادلات في وقت واحد: تماسك النخبة، واحتواء المجتمع، وتجنب العزلة الخارجية الخانقة. لكن هذه المعادلات لن تدار بصورة طبيعية إذا بقي الحرس الثوري ممسكا بمفاتيح الدولة. فالمؤسسة التي بنت نفوذها على التعبئة والصراع والتمدد الخارجي لن تتحول بسهولة إلى قوة إصلاح داخلي أو تهدئة إقليمية. وقد تستطيع فرض الهدوء، لكنها لن تستطيع إنتاج الثقة. وقد تستطيع منع الانهيار، لكنها لن تستطيع بناء عقد سياسي جديد.

الخلاصة أن إيران لن تخرج من الحرب كما دخلتها. حتى لو بقيت الخريطة السياسية كما هي، فإن ميزان القوة داخل النظام سيكون قد تغير. رجال الدين سيبقون في الصورة، والرئاسة ستبقى قائمة، والمؤسسات الجمهورية ستواصل عملها، لكن مركز الثقل سيتحرك أكثر نحو المؤسسة الأمنية. وما سيتشكل في طهران لن يكون انقلابا كلاسيكيا ولا انتقالا ديمقراطيا، بل نظاما أكثر عسكرية، أقل ثقة بشرعيته، وأكثر اعتمادا على القوة لإدارة دولة لم تعد أدواتها القديمة كافية لضبطها.

في النهاية، ليست المشكلة في أن إيران قد تخرج من الحرب أضعف مما كانت، بل في أن الضعف قد يدفع أكثر مؤسساتها خطورة إلى احتكار الدولة. فإذا بقي الحرس الثوري واقفا فوق الركام، فسيكون هو المستفيد الأكبر من الحرب، حتى لو خسرت إيران كثيرا من قوتها. لذلك فإن السؤال الحقيقي ليس فقط أي نظام سيخرج من الحرب، بل هل سيسمح للحرس الثوري بأن يحول الهزيمة أو الإنهاك إلى فرصة للسيطرة الكاملة؟ إن منع هذا السيناريو يتطلب إسقاط الحرس الثوري كعمود فقري للنظام، لأن بقاءه يعني أن إيران لن تتغير، بل ستصبح أكثر عسكرية، وأكثر انغلاقا، وأكثر خطرا على الداخل والمنطقة.

أخبار ذات صلة

0 تعليق