مختبرات جامعاتنا: من العهدة الفردية إلى الأصول المنتجة

مكه 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
مختبرات جامعاتنا: من العهدة الفردية إلى الأصول المنتجة, اليوم السبت 9 مايو 2026 10:53 مساءً

في معمل ما بإحدى الجامعات، يقبع جهاز تحليل طيفي متقدم، كلف خزينة الجامعة أكثر من مليون ريال قبل عدة سنوات. ورغم أن الجهاز لا يزال صالحا من الناحية التقنية، الا أن صاحب العهدة تقاعد قبل عامين، فأوصد باب المعمل وانتظر الجهاز قرارا إداريا لم يصدر بعد. هذه الحالة، ليست استثناء عابرا، بل نموذج يتكرر في عدد غير قليل من المؤسسات الأكاديمية، حيث تتحول المختبرات البحثية من أصول يفترض أن تكون منتجة إلى أصول (أشبه بملكية خاصة) مجمدة، ومن رافد حيوي لاقتصاد المعرفة إلى استنزاف صامت للموارد المالية.

تمثل المختبرات العلمية المتقدمة، في أي منظومة بحثية جادة، حجر الأساس الذي تبنى عليه الابتكارات وتترجم من خلاله النظريات إلى تطبيقات صناعية. وتمثل البنية التحتية التي تمكن الباحثين من تحويل المقترحات البحثية إلى منتجات معرفية واقتصادية. ولا يمكن لأي جامعة تطمح إلى المنافسة العالمية في إنتاج ونشر المعرفة أو الإسهام في الاقتصاد من خلال الابتكار أن تحقق أهدافها دون اقتناء أجهزة بحثية متقدمة، وتدريب كوادر فنية عالية التأهيل، وإدارة تشغيلية فاعلة (محترفة). غير أن التجربة أثبتت أن اقتناء الأجهزة المتقدمة وحده لا يصنع بحثا، فالباحث المتميز يظل مكبلا دون توفر البيئة والأدوات والمواد اللازمة (الممكنات). إذ إن المعادلة الحقيقية للإنتاج العلمي التطبيقي تقوم على ثلاث ركائز تتمثل في توفر تقنيات متطورة، وكادر فني متمكن، وإدارة رشيدة. والمشكلة الأساسية التي تعاني منها أغلب الجامعات المحلية اليوم هي ليست نقص التمويل، بل في تبني نمط إداري تقليدي لم يعد مناسبا لطبيعة البحث العلمي المعاصر، مما يحد من إسهام الجامعة في البحث العلمي المتقدم.

لقد اعتمدت الجامعات لسنوات طويلة آلية تقليدية في اقتناء الأجهزة البحثية تقوم على منح عضو هيئة التدريس دعما ماليا لشراء تجهيزات معملية تسجل كعهدة شخصية باسمه، يحتفظ بها في معمل أبحاثه الخاص. ولئن بدت هذه الفكرة عملية في ظاهرها، فإنها أفرزت في باطنها إشكاليات خطيرة متراكمة. فمن جهة، أدى هذا النمط إلى تكرار شراء الأجهزة نفسها في أقسام وكليات متجاورة، فمثلا يمكن أن تجد ثلاثة أجهزة متطابقة في مبنى واحد، لا يعمل منها في أحسن الأحوال سوى جهاز واحد. ومن جهة أخرى، ارتبط تشغيل الجهاز بوجود الباحث نفسه، فإن اشتغل بالتدريس، أو سافر في إجازة، أو تقاعد، أو انتقل إلى جامعة أخرى، توقف الجهاز عن العمل وتحول الأصل باهظ الثمن إلى عهدة معطلة. وفي هذا الصدد تشير دراسات دولية إلى أن الأجهزة البحثية المتقدمة لا تتجاوز نسبة تشغيلها الفعلي 40% من طاقتها القصوى، وفي بيئتنا المحلية يحتمل أن تكون النسبة أقل بكثير. وتتفاقم المشكلة بغياب ميزانية تشغيلية دائمة لبرامج الصيانة الوقائية، فيظل توفير قطع الغيار رهن اجتهادات فردية ومخصصات غير مضمونة، مما يطيل فترات التعطل لأشهر طويلة.

وإذا تجاوزنا الهدر المباشر في ثمن الجهاز وتعطله، تبرز تكلفة خفية لا تحسب عادة في المعادلات الإدارية المختصرة. فالتكلفة الحقيقية لتشغيل أي مختبر تشمل إهلاك المباني، وأنظمة التهوية، وتدابير السلامة المهنية، والبنية الرقمية الداعمة. وعند احتساب هذه العناصر يتبين أن ما يبدو تعادلا سطحيا بين العوائد والنفقات هو في الواقع دعم غير مباشر قد يصل إلى 40% من قيمة الاستثمار الأصلي. وهذا يعني أن الملايين التي أنفقت على إنشاء المختبرات وتجهيزها تذهب أدراج الرياح حين تظل الأجهزة عاطلة أو شبه عاطلة لفترات طويلة دون مردود علمي أو اقتصادي يذكر.

ولتجاوز هذا النمط غير المجدي، يبرز نموذج المختبرات المركزية كخيار استراتيجي لمأسسة المنظومة البحثية بالمؤسسات الأكاديمية وقد أثبت نجاحه في جامعات عريقة حول العالم، بل وفي نماذج سعودية رائدة بدأت تنضج ملامحها مؤخرا. ويقوم هذا النموذج على تحويل الأجهزة والمعدات البحثية من عهد في معامل الأفراد إلى مختبرات مركزية تدار ككيانات مهنية مستقلة، تضم أجهزة متطورة وعالية التكلفة، وتقدم خدماتها لجميع الباحثين بالجامعة والباحثين المتعاونين. بل تمتد خدماتها للقطاع الصناعي والخدمي مقابل رسوم تشغيلية عادلة وشفافة. وهذه الآلية لا تحقق فقط زيادة الاستفادة من الأجهزة بتشغيلها لساعات أطول في خدمة عشرات المشاريع بدلا من مشروع واحد، كما أنها تمكن الجامعة من استرداد تكاليف رواتب الفنيين المتخصصين وعقود الصيانة والمواد الاستهلاكية، مما يحول تلك المختبرات المركزية إلى وحدات مستقلة ماليا قادرة على الاستمرار والتطور. ولعل أبرز ما يميز هذا النموذج التحول من الاعتماد على الأساتذة وطلبة الدراسات العليا، الذين ينشغلون بأعمالهم وبتحصيلهم العلمي وقد لا يتواجدون باستمرار إلى فريق من الكوادر الفنية المحترفة، مما يضمن استمرار التشغيل السليم، والمعايرة الدقيقة، والصيانة الوقائية، والتدريب المنهجي للمستخدمين.

وتقدم جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية (كاوست) نموذجا ناضجا يحتذى في هذا المجال، عبر مختبراتها الأساسية التي تغطي مجالات الكيمياء التحليلية والعلوم الحيوية والموارد البحرية والتصوير المتقدم، وتعمل وفق نظام الكتروني للحجز والدفع مقابل الخدمة. كما أنشأت جامعة الملك سعود مجمعا مركزيا شاسعا يمتد على مساحة عشرة آلاف متر مربع، يضم أكثر من 600 جهاز متطور تتوزع في ستة أقسام و13 معملا. وهذه النماذج المحلية، وإن كانت لا تزال محدودة، تؤكد أن التحول ممكن ومجد، وأن العقبات ليست في التكنولوجيا بقدر ما هي في الإرادة الإدارية وتصميم الحوافز المناسبة.

ومع تبني نموذج التحول للمختبرات المركزية، يبرز سؤال التمويل بصورة ملحة. وهنا يأتي الدور الحيوي للموارد الذاتية والأوقاف التي كثيرا ما تركز على البرامج الخدمية والإنشاءات ورعاية الندوات، وتغفل دورها في دعم البنية التحتية البحثية. فهذه الموارد يمكن أن تستغل لتمويل شراء الأجهزة. فالمختبرات البحثية ليست رفاهية أكاديمية، بل هي بنية تحتية لا غنى عنها، تماما كالمباني والمكتبات، بل دونها تتعثر برامج الجامعة في البحث ولابتكار وإنتاج المعرفة. وإلى جانب الموارد الذاتية والأوقاف، يمكن تنويع التمويل بالشراكة مع القطاع الخاص عبر عقود تشغيل أو صناديق استثمار مشتركة، أو مع الشركات المصنعة التي قد ترغب في عرض أحدث تقنياتها واختبارها في بيئة جامعية. وهذه الآليات تحول المختبر المركزي من عبء إلى وحدة اقتصادية منتجة.

في مسيرة التحول نحو إنشاء مراكز بحثية متخصصة، تتجلى فرصة ذهبية حقيقية لتعزيز الابتكار والتميز العلمي على نحو مستدام. ومع ذلك، يجب الحذر من الوقوع في منزلق المراكز البحثية والتي تعد إعادة لتسمية النموذج القديم دون تغيير جوهري في الهيكل الإداري أو آليات التمويل. فهذا النمط قد يودي إلى تحول المركز إلى تجمع شكلي سطحي يعيد إنتاج تكرار اقتناء الأجهزة وتضارب الملكية بين الفرد والمؤسسة. فالحقيقة الأساسية أن المركز البحثي والمجموعات البحثية لن يحققا نجاحا حقيقيا قابلا للاستمرار إلا بوجود مختبرات مركزية متقدمة توفر التقنيات الحديثة والأدوات المتطورة التي يحتاجها الباحثون لإنجاز مشاريع أبحاثهم. أما توفير تجهيزات مستقلة لكل مركز أو مجموعة بحثية على حدة، فقد لا يكون الخيار الأمثل على الإطلاق، لأنه يفتح الباب على مصراعيه أمام التكرار غير الضروري والسلبيات التي ذكرت آنفا.

ولتحقيق النجاح المستدام لهذا التحول، يتعين تعزيز برامج الصيانة وسلاسل الإمداد بشكل شامل من خلال إنهاء احتكار الوكيل الواحد، وتوقيع عقود صيانة طويلة الأجل مع مزودين متعددين، ورقمنة كاملة لإدارة الأعطال والمخزون، مع معالجة التحديات الجمركية والإدارية على المستوى الوطني، كما أوضحت دراسة جامعة الملك فهد للبترول والمعادن. كما يجب أن يحقق تسعير خدمات المركز استدامة مالية حقيقية تولد فائضا يعاد استثماره بكفاءة في تطوير الأجهزة وتحديث البنية التحتية. وأخيرا، تعد إدارة المخلفات الخطرة ركيزة أساسية لا غنى عنها، مستلهمة تجارب عالمية ناجحة مثل برامج جامعة مينيسوتا و«الحوض الأخضر» في أيرلندا، مع تطويرها بما يتناسب تماما مع بيئتنا المحلية وأولوياتنا الوطنية.

خلاصة القول، إن تحويل المختبرات الجامعية ومقتنياتها من عهدة فردية إلى أصول اقتصادية منتجة ليس ترفا أكاديميا، بل هو ضرورة وطنية ملحة في ضوء التحول نحو اقتصاد المعرفة وخطط المملكة العربية السعودية التي تطمح إلى رفع الإنفاق على البحث والابتكار إلى 2.5% من الناتج المحلي الإجمالي. فالجهود التي تقوم بها هيئة تنمية البحث والابتكار لن تؤتي ثمارها ما لم تبادر الجامعات بالاستثمار في منظومة البحث والابتكار من خلال إنشاء مختبرات بحثية مركزية متاحة للجميع. فالتحول يجب أن يكون سلسا وبسيطا، فالعبرة ليست في عدد الأجهزة التي نقتنيها، ولا في كثرة المراكز التي نستحدثها، بل في القدرة على تشغيل وإدارة المقتنيات واستدامتها وتوظيفها في خدمة الباحثين والصناعة بلا احتكار وبتمويل مبتكر وشراكة ذكية.

أخبار ذات صلة

0 تعليق