الرواتب في القطاع العام.. تفاوت يزعزع الثقة

عنب بلدي 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

مارينا مرهج | وسيم العدوي | شعبان شاميه | أمير حقوق

أفرزت التحولات الإدارية التي شهدها القطاع العام السوري، عقب سقوط نظام الأسد في سوريا، تفاوتًا حادًا في الرواتب بين فئات الموظفين المشمولين بسلّم الرواتب المنصوص عليه بالقوانين، وبين موظفين جرى التعاقد معهم حديثًا، خاصة القادمين من الشمال السوري، ضمن صيغ تعاقدية مختلفة.

ويبلغ متوسط راتب الموظف في القطاع العام ما بين 1.2 و1.5 مليون ليرة سورية شهريًا، وهو ما يعادل أقل من 120-150 دولارًا، فيما يتقاضى بعض المتعاقدين الجدد مع مؤسسات الدولة، والذين جرى استقدامهم بعد التغييرات السياسية والإدارية، رواتب تبدأ من 300 دولار أمريكي شهريًا، وهو ما يعادل ضعفي أو ثلاثة أضعاف راتب موظف قديم يشغل وظيفة مماثلة من حيث المستوى الوظيفي.

هذا التباين في الأجور لا يعكس فقط اختلافًا في طبيعة العقود، بل يكشف عن غياب سياسة موحدة للأجور في مرحلة انتقالية حساسة، تُدار فيها مؤسسات الدولة بمقاربات متعددة، تجمع بين إرث إداري قديم ومحاولات استقطاب كوادر جديدة برواتب محفزة.

تبحث عنب بلدي في هذا الملف واقع الخلل في الرواتب داخل القطاع العام السوري، والفجوة المتنامية بين الموظفين، وأسباب غياب سلّم أجور موحد، وانعكاساته القانونية والاقتصادية والاجتماعية.

بين الليرة والدولار..

يشكّل تشوه سلّم الرواتب في القطاع العام أحد أكثر الملفات حساسية وتأثيرًا في الواقع الاقتصادي السوري، لما له من انعكاسات مباشرة على الإنتاجية، وكفاءة المؤسسات، ودور الدولة في بناء الاقتصاد الوطني، فحين تُبنى الأجور على أسس غير واضحة، وتُدار بمعايير متباينة، يختل ميزان العمل، وتصبح المؤسسات عاجزة عن أداء دورها الاقتصادي.

التشوهات الواضحة التي برزت بمنظومة الرواتب في سوريا، سواء من حيث التفاوت بين القطاعات، أو اختلاف العملة المعتمدة في الدفع، أو غياب العلاقة بين الأجر والكفاءة والخبرة، تطرح تساؤلات جدّية حول الأسس التي يُبنى عليها هذا السلّم، ومدى ارتباطها بالكفاءة والخبرة، والأثر الاقتصادي المرافق له، إذ اعتبر اقتصاديون تحدثت إليهم عنب بلدي، أنه يحدّ من القدرة الإنتاجية، ومن فعالية القطاع العام كرافعة أساسية للاقتصاد.

سوريون يقبلون على استبدال العملة في دمشق - 4 كانون الثاني 2025 (عنب بلدي/ أحمد مسلماني)

سوريون يقبلون على استبدال العملة في دمشق – 4 كانون الثاني 2025 (عنب بلدي/ أحمد مسلماني)

تشوهات هيكلية جوهرية

اعتبر الباحث والأستاذ الجامعي الدكتور صبري حسن، أن التشوهات في سلالم الرواتب بالقطاع العام في سوريا هي تشوهات هيكلية جوهرية نتيجة انفصال الأجور عن الإنتاجية، وعدم ارتباط الرواتب بالأداء الفعلي أو القيمة المضافة للموظف، إضافة إلى تسطح هرم الرواتب، وضغط الفروق بين الدرجات والمستويات، مما يقلل الحوافز للترقي الوظيفي.

ومن أهم الأسباب التي دفعت للتفاوت بالرواتب، وفق ما تحدث به حسن لعنب بلدي، عدم الاستقرار الأمني والسياسي الذي يضغط بقوة ويتسبب بخلق أزمات اقتصادية متصاعدة، والتضخم، وانخفاض قيمة الليرة، ما أدى إلى عدم كفاية الرواتب، بالإضافة إلى سياسات حكومية تزيد الرواتب بشكل متقطع دون مواكبة للأسعار، وتفاوت في تطبيق الزيادات بين القطاعين المدني والعسكري، ووجود الأعداد الكبيرة للموظفين الوهميين.

وشرح أن كل ذلك يأتي ضمن إطار الحرب والعقوبات، مما أدى إلى تآكل القدرة والقوة الشرائية بشكل كبير، وتزايد الاعتماد على الدعم الخارجي.

وظيفتان متطابقتان براتبين مختلفين

مهندس يعمل في وزارة الطاقة (فضّل عدم نشر اسمه)، قال إنه يعمل منذ أكثر من 20 عاما في إحدى الجهات التي أصبحت تابعة للوزارة (حاليًا)، ويتقاضى راتبًا لا يتجاوز مليونًا و300 ألف ليرة سورية، ويخضع لكل ما يفرضه قانون العاملين الأساسي، من دوام ومساءلة وترفيع دوري وتأمينات اجتماعية.

ووفقًا لتصوره، قال إن موظفي حكومة “الإنقاذ” في إدلب كانت رواتبهم عالية مقارنة برواتب العاملين في الدولة خلال حكم النظام السابق، ثم اندمجوا بالحكومة المؤقتة بعد التحرير، ولاحقًا في الحكومة الانتقالية الحالية، وكان يفترض تعديل سلّم الرواتب والأجور وصولًا إلى مصاف رواتب حكومة “الإنقاذ” منذ تشكيل الحكومة الأخيرة.

وتابع المهندس، “أرحب بأي زميل جديد في القسم، ولكن من غير المقبول أن نكون نحن وهم في المكتب والعمل نفسه، ونحاسب بالمعايير نفسها، ثم يكون الفرق في الراتب أضعافًا مضاعفة”.

وذكر أن “هذا التفاوت يؤثر على الشعور بالعدالة والانتماء، عدا عن مشاعر الاحتقان من بعض الموظفين تجاه زملائهم في العمل”، وجميع الموظفين على قانون العاملين الأساسي يتساءلون عن سبب هذه “الضبابية والغموض” من قبل الإدارات العامة في تفسير سبب إعطاء موظفين بنفس الفئة الوظيفية رواتب أعلى من زملائهم بأربعة أو خمسة أضعاف أو أكثر حتى، مؤكدًا وجوب تطبيق القانون كما هو لتحقيق المساواة واستعادة الثقة بالمؤسسات حتى لا يصبح العمل مجرد واجب روتيني بأن يكون الأجر متساويًا مقابل العمل المتساوي.

الأستاذ الجامعي والخبير الاقتصادي الدكتور مجدي الجاموس، قال لعنب بلدي، إن تشوه سلّم الرواتب في القطاع العام يعد من أبرز التشوهات الاقتصادية، مشيرًا إلى أن أصل المشكلة يعود إلى غياب البيئة القانونية الناظمة للعمل، وهو ما ينعكس على مؤسسات الدولة بشكل مباشر.

وأوضح لعنب بلدي أن هذا الغياب يفتح المجال أمام التفاوت والتمييز بين العاملين، وهو تمييز يعد من أهم العوامل التي تولد الحقد والكراهية داخل المؤسسات، ما يؤدي إلى بقاء الإنتاجية عند حدودها الدنيا.

وبيّن أن التمييز القائم اليوم على أساس خلفيات سياسية وغيرها، يعد أمرًا معيبًا بحق إنسانية الموظف السوري، وقد أدى إلى تفشي الإحباط، وغياب العدالة بين العاملين، وانتشار المقارنات المستمرة بين رواتب الدولار ورواتب الليرة السورية، وهو ما يؤدي إلى التقاعس وضعف الإنتاجية، وإلى تراجع الشعور بالقيمة الإنسانية للعامل، ودفعه نحو سلوكيات سلبية مثل الفساد والرشوة وعدم الجدية وضعف الانتماء للمؤسسات، ما ينعكس على دور القطاع الحكومي في بناء الاقتصاد الوطني.

تمييز يتسبب بضعف الانتماء

تُعتمد أكثر من عملة في دفع الرواتب داخل القطاع العام، فالموظفون القدامى ما زالت رواتبهم تُصرف بالليرة السورية، أما الموظفون الجدد فتنص عقودهم على صرف رواتبهم بالدولار الأمريكي، ما أدى إلى خلق تشوهات في بنية الرواتب داخل المؤسسة الواحدة، وانعكس سلبًا على الأداء الوظيفي، بحسب الأستاذ الجامعي والخبير الاقتصادي الدكتور مجدي الجاموس.

وأشار إلى أن من أخطر النتائج الاقتصادية لذلك هو تعميق ظاهرة “الدولرة”، إذ إن دفع الرواتب بالدولار يؤدي إلى تسعير السلع بالدولار، ويضعف مكانة الليرة السورية كوسيلة للتبادل، إضافة إلى آثار نفسية تولد شعورًا بالإقصاء والتقاعس وتراجع مستوى الأداء.

وهذا الواقع يلغي القدرة على تقييم الأداء والتمييز بين العاملين على أساس الكفاءة، ويقضي على الحافز ليكون الموظف كفئًا أو منتجًا، ما يؤدي إلى عدم الجدية وضعف الانتماء، ويؤثر سلبًا على مؤسسات الدولة.

وشدد على أن أي اقتصاد لا يُبنى إلا على تكاتف العاملين ووحدة انتمائهم للمؤسسات، وأن غياب العدالة الاجتماعية والفكر الإقصائي يخلق فجوة طبقية داخل المؤسسات، ويؤثر على دورها في بناء الاقتصاد الوطني، ويحول دون أي إصلاح إداري حقيقي.

زيادة في قطاعات دون أخرى

قال وزير المالية، محمد يسر برنية، إن من ضمن مراحل زيادة الرواتب في سوريا، زيادات نوعية على قطاعات محددة، مثل القضاء والتعليم والصحة، والأجهزة الرقابية.

الدكتور مجدي الجاموس قال إن الإعلان عن زيادات رواتب لقطاعات محددة، مثل العدل والتربية، دون شمول قطاعات أخرى كالسياحة والزراعة، يُحدث تفاوتًا واضحًا وشرخًا بين الموظفين، ويؤثر على إنتاجيتهم التي تبقى في الحد الأدنى.

ويرى أن أي زيادة لا تُقاس بوصفها زيادة فعلية، لأن الأمور تُبنى دائمًا على المقارنة بين الموظفين، بغض النظر عن مستوى الكفاءة والخبرة.

سوريون يقبلون على استبدال العملة في دمشق - 4 كانون الثاني 2025 (عنب بلدي/ أحمد مسلماني)

سوريون يقبلون على استبدال العملة في دمشق – 4 كانون الثاني 2025 (عنب بلدي/ أحمد مسلماني)

أبرز آثار وجود هياكل رواتب مبعثرة في الاقتصاد الوطني وقدرة الدولة على الحوكمة، بحسب الدكتور بالاقتصاد المالي والنقدي في كلية الاقتصاد بجامعة “دمشق”، نائب عميد كلية الاقتصاد، ياسر مشعل:

  •  تشوه سوق العمل

يؤدي التفاوت الكبير في الأجور لنفس الوظيفة أو المؤهل إلى “نزيف الكفاءات” من الوزارات الخدمية (ذات الرواتب المنخفضة) إلى هيئات أو قطاعات أخرى تقدم رواتب أعلى. هذا يخلق تكدسًا وظيفيًا في جهات معينة وشحًا في أخرى، مما يضعف جودة الخدمات العامة الأساسية مثل التعليم والصحة.

  • تآكل القوة الشرائية بشكل غير متساوٍ

مع موجات التضخم الحادة التي شهدتها سوريا، فإن الفئات ذات الرواتب الثابتة والمنخفضة (مثل الموظفين الحكوميين القدامى) تتآكل قدرتهم الشرائية بشكل أسرع بكثير من الفئات التي تحصل على رواتب أعلى أو مرتبطة بالدولار، مما يوسع الفجوة بين الطبقات ويدفع بشرائح واسعة تحت خط الفقر.

  • إضعاف الحافز والإنتاجية

عندما يشعر الموظف بغياب العدالة وعدم التقدير، تنخفض معنوياته وإنتاجيته. هذا الشعور “بالغبن” يقوّض الولاء للمؤسسة ويفتح الباب أمام الفساد الإداري والبحث عن مصادر دخل بديلة، مما يؤثر سلبًا على كفاءة الجهاز الحكومي.

  • تعقيد السياسة المالية

وجود جداول رواتب متعددة يجعل من الصعب على وزارة المالية وضع موازنة دقيقة وموحدة. كما أن أي زيادة عامة في الرواتب، مثل التي حدثت مؤخرًا بنسب 200% و 400%، تكون لها آثار تضخمية غير متوقعة إذا لم تكن مدروسة بعناية، لأنها تضخ سيولة نقدية في السوق دون زيادة موازية في الإنتاج.

  • خلق توترات اجتماعية

التفاوت الصارخ في الدخل بين موظفي الدولة يخلق شعورًا بالظلم وعدم المساواة، مما قد يؤدي إلى توترات اجتماعية ويضعف الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة.
مرونة مؤقتة في التوظيف

قد تسمح العقود الجديدة (المرتفعة نسبيًا) للدولة بجذب خبرات معينة بشكل عاجل ومؤقت دون الحاجة لتغيير سلّم الرواتب العام، لكن هذا الحل قصير الأمد ويخلق مشكلات هيكلية على المدى الطويل.

تفاوت الرواتب بين العاملين الخاضعين لقانون العاملين الأساسي في الدولة رقم “50” لعام 2004، وبين الموظفين في حكومة “الإنقاذ” المشكّلة في إدلب عام 2017 قبل سقوط النظام السابق، الذين جرى تعيينهم في الجهات العامة بعد تحرير سوريا وزوال النظام المخلوع، أثارت تساؤلات قانونية واجتماعية حول مشروعية هذا التفاوت، وأثره على العدالة الوظيفية والاستقرار المؤسساتي، وما يشكله من إخلال في مبدأ المساواة وتكافؤ الفرص، في وقت يعاني فيه السوريون من ضغوط اقتصادية ومعيشية كبيرة.

رأي قانوني حول شرائح العاملين

يعتقد الدكتور بالقانون الإداري، الإداري بالمعهد الوطني للإدارة العامة (INA) محمد الحسين، والذي عمل لعقود أستاذًا في جامعة “دمشق”، ورئيسًا لمجلس الدولة حتى عام 2015، أن معالجة هذا الملف يجب أن تتم ضمن إطار قانوني واضح، إما بتعديل التشريعات القائمة، وإما بإصدار نصوص خاصة تنظم مثل هذه الحالات الاستثنائية، بدل تركها لاجتهادات إدارية قد تؤدي إلى خلل في العدالة الوظيفية وتضرب الثقة بالمؤسسات العامة.

وقال الحسين، إنه فيما يتعلق بوضع المعيّنين حديثًا ممن كانوا يعملون في حكومة “الإنقاذ” بالشمال السوري، فإنه توجد شريحتان:

  • أشخاص كانوا موظفين أصلًا في الجهات العامة زمن النظام السابق، ثم غادروا إلى الشمال وعادوا لاحقًا، هؤلاء يجب على الدولة أن تسوي أوضاعهم وتعتبرهم كأنهم كانوا على رأس عملهم، خاصة إذا كانوا يشغلون مواقع معيّنة في خدمة المجتمع خلال تلك المرحلة، بشرط تسديد اشتراكات التأمينات الاجتماعية المترتبة عليهم، ليُحسب ذلك لهم قدمًا وظيفيًا.
  • أشخاص جرى تعيينهم حديثًا ولم يكونوا موظفين من قبل، وتعيينهم يجب أن يخضع بالكامل لأحكام قانون العاملين الأساسي في الدولة، الذي يحدد الفئات الوظيفية وشروط التعيين، والأجور، والترفيعات، والحقوق.

إشكالية التعيينات الجديدة

تعيين العاملين القادمين من الشمال السوري ممن كانوا يعملون في حكومة “الإنقاذ” بإدلب، أو أصحاب العقود الجديدة، برواتب أعلى من نظرائهم في الجهات العامة، يخلّف إشكالية قانونية مزدوجة، ويشير الدكتور الحسين إلى أن قانونية هذا التعيين وشروطه، ومدى مشروعية الرواتب والمزايا الممنوحة لهم تخضع لقانون العاملين الأساسي “حكمًا”.

المادة “10” من الإعلان الدستوري السوري الصادر في آذار 2025:

المواطنون متساوون أمام القانون في الحقوق والواجبات، من دون تمييز بينهم في العرق أو الدين أو الجنس أو النسب.

المادة “15”:

العمل حق للمواطن وتكفل الدولة مبدأ تكافؤ الفرص بين المواطنين.

ويعتبر الدكتور الحسين أن منح أي إدارة أو جهة عامة موظفين معيّنين حديثًا رواتب أعلى من تلك المنصوص عليها في جداول الأجور يخالف القانون، إلا في إطار محكم يتطلب موافقات رسمية وتعديل القانون نفسه، أو إصدار مرسوم خاص مثلما يحصل أحيانًا من قرارات تنفيذية ترفع الرواتب لجميع العاملين في الدولة، كما حصل سنة 2025، بمرسوم رئاسي رفع الرواتب بنسبة 200% للعاملين المدنيين والعسكريين في القطاع العام.

وجدد التأكيد على أن قانون العاملين لا يمنح الإدارة العامة في أي جهة كانت سلطة مطلقة في تحديد الأجور، بل يلزمها بجداول رواتب محددة، ويكرس مبدأ الأجر المتساوي مقابل العمل المتساوي، ويؤدي إلى خلل في العدالة الوظيفية، ولهذا الأمر انعكاسات سلبية على أداء المؤسسات العامة واستقرارها، على حد تعبيره.

موظف قادم من “الإنقاذ”: قرار التعيين كان بـ700 دولار

عنب بلدي حاولت استطلاع آراء عدد من موظفي حكومة “الإنقاذ” (سابقًا)، الحكومة الانتقالية (حاليًا)، ممن يتقاضون رواتبهم بالدولار الأمريكي، ولكن بعضهم اعتذر عن عدم الحديث، فيما أشار “م. ا.”، الذي تحفظ على نشر اسمه لأسباب إدارية، وهو عامل من الفئة الأولى في محافظة ريف دمشق، وكان يعمل مع حكومة “الإنقاذ”، إلى أنه لا ذنب لأي من العاملين في حكومة “الإنقاذ” سابقًا في التفاوت بالأجور، لأن الرواتب في زمن النظام المخلوع كانت منخفضة جدًا.

وقال إن الراتب الذي يتقاضاه اليوم والبالغ 700 دولار، لم يكن بقراره الفردي، بل هو جزء من عرض التعيين بموجب العقد الذي قُدّم له من الجهة التي كان يعمل بها، وكان الراتب آنذاك أدنى من الراتب الحالي، مضيفا: “أنا لا أرغب بوجود أي حساسيات مع زملائي، وجميعنا يدرك أن الفارق في الرواتب كبير ومزعج للآخرين، ونفهم تمامًا شعور زملائنا، بوجود التفاوت الكبير في الرواتب داخل الجهة الواحدة”.

وأشار إلى أنه مع مبدأ المساواة في الحقوق، وفي النهاية نحن نريد البقاء في هذه المؤسسات، وأن نكون جزءًا منها دون وجود توتر مع زملائنا، ونحن مرتبطون بالتزامات معيشية وأسرية ولذلك لا نستطيع التنازل عن أي مبلغ من الرواتب بشكل فردي، وهذا هو العقد الموقع معنا، مبينًا أنه رغم الراتب العالي الذي يتقاضاه، فإنه لا يملك أي حقوق في التأمين الصحي أو التأمينات الاجتماعية أو الترفيعات.

واعتبر أن الحل ليس بإلقاء اللوم على هذه الفئة أو تلك، بل بإصدار قانون واضح يعالج هذا الخلل بطريقة عادلة وتدريجية تحفظ حقوق الجميع ولا تخلق صدامًا داخل المؤسسات.

سوريون يقبلون على استبدال العملة في دمشق - 4 كانون الثاني 2025 (عنب بلدي/ أحمد مسلماني)

سوريون يقبلون على استبدال العملة في دمشق – 4 كانون الثاني 2025 (عنب بلدي/ أحمد مسلماني)

الوظيفتان.. المغلقة والمفتوحة

كشف الدكتور بالقانون الإداري، الإداري بالمعهد الوطني للإدارة العامة (INA) محمد الحسين، أن التعديلات على قانون العاملين الأساسي كانت شبه منجزة قبل سقوط النظام ضمن قانون الخدمة العامة والمراتب الوظيفية، وهناك توجه من قبل الحكومة الحالية نحو قانون للخدمة العامة، قائم على فكرة الوظيفة المفتوحة لا الوظيفة المغلقة.

وأوضح أن المقصود بالوظيفة المغلقة التي يكون فيها تقاعد وترفيع ودرجات وظيفية، أما الوظيفة المفتوحة فهي تعاقد لمدة معينة وبراتب محدد دون تقاعد أو ترفيع.

قال الحسين، “يبدو أن هذا الأمر لا يزال مشروع قانون ولم يتحول إلى قانون نافذ حتى الآن، ولذلك يفترض أو يجب أن يكون كل العاملين خاضعين للقانون الأساسي للعاملين في الدولة”.

ومن منظور الشرعة الدولية، بيّن الأكاديمي السوري الحسين، أن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ومنظمة العمل الدولية أكدا على مبدأ المساواة وعدم التمييز في الأجر والوظيفة لكل العاملين في دول العالم، وهو ما ينسجم مع مبادئ الإعلان الدستوري في سوريا.

وشدد في ختام حديثه على أن بناء الدولة يبدأ ببناء مؤسسات عادلة قائمة على القانون، وأي إخلال بمبدأ المساواة في الأجر والحقوق الوظيفية ينعكس سلبًا على التنمية والاستقرار والثقة بالمؤسسات، ولذلك فإن معالجة هذا الملف يجب أن تتم ضمن إطار تشريعي واضح يحقق العدالة ويحفظ كرامة العامل ويخدم المصلحة العامة.

تأثير اختلافات الرواتب على المنح الدولية

تلعب المنح الدولية دورًا حيويًا في دعم الاقتصاد السوري المنهك خلال هذه المرحلة، خاصة في تمويل فاتورة الرواتب، وأوضح الدكتور بالاقتصاد المالي والنقدي ياسر مشعل، تأثير تباين هياكل الأجور على هذه المنح من خلال عدة نقاط:

  • صعوبة تحديد المستحقين وآليات الصرف: الجهات المانحة وبرامج الأمم المتحدة التي تدير هذه المنح تفضل وجود هيكل رواتب واضح وشفاف لضمان وصول الدعم لمستحقيه. الفوضى في هياكل الرواتب تعقد عملية التدقيق وتزيد من مخاطر سوء التوزيع أو الفساد، مما قد يجعل المانحين مترددين.
  • شروط المانحين للإصلاح: غالبًا ما تأتي المساعدات الدولية مشروطة بخطط إصلاح اقتصادي وهيكلي. قد يضغط المانحون على الحكومة لتوحيد وإصلاح نظام الرواتب كشرط أساسي لتقديم الدعم المالي المستدام، بهدف ضمان العدالة والكفاءة.
  • توجيه المنح لقطاعات محددة: بسبب هذه التعقيدات، يتم توجيه المنح في كثير من الأحيان لقطاعات معينة تعتبر ذات أولوية (مثل الصحة والتعليم) حيث يمكن مراقبة الصرف بشكل أفضل. هذا الأمر، وإن كان إيجابيًا لهذه القطاعات، إلا أنه قد يزيد من التفاوت بينها وبين القطاعات الأخرى التي لا تحظى بنفس الدعم.
  • مخاطر الاعتماد على المساعدات: الاعتماد المفرط على المنح الخارجية لتغطية الرواتب يجعل الاقتصاد هشًا وعرضة للتقلبات السياسية أو “إرهاق المانحين”، إذ إن هذه المساعدات هي حلول مؤقتة لا تعالج جذور الأزمة الاقتصادية الهيكلية.

ويرى الباحث الاقتصادي ملهم الجزماتي، أن الجهات التي تدعم الرواتب أو استمرارية الخدمات تكون شديدة الحساسية تجاه أي ترتيب قد يُفهم على أنه تمييزي أو غير قابل للاستدامة.

فعندما تكون الأجور متفاوتة داخل الدولة، يصبح تمويل الرواتب أكثر تعقيدًا، لأن أي دعم موجه إلى مؤسسة أو برنامج بعينه قد يُنظر إليه داخليًا على أنه تعزيز لفئة دون أخرى، مما يدفع المانحين غالبًا إلى الحذر، أو إلى حصر دعمهم ضمن أطر ضيقة ومؤقتة، ما يضعف القدرة على بناء سياسة أجور مستقرة وطويلة الأمد، ويجعل المنح نفسها أقل قابلية للاستمرار، مشيرًا إلى أن أي دعم خارجي يجب أن يدار ضمن إطار وطني شفاف، يهدف إلى تقليل الفوارق لا توسيعها، ويشرح للموظفين والرأي العام بوضوح.

سوريون يقبلون على استبدال العملة في دمشق - 4 كانون الثاني 2025 (عنب بلدي/ أحمد مسلماني)

سوريون يقبلون على استبدال العملة في دمشق – 4 كانون الثاني 2025 (عنب بلدي/ أحمد مسلماني)

تعد العدالة الوظيفية في الأجور أحد المحددات الأساسية للصحة النفسية المهنية، فالأجر لا يمثل فقط موردًا اقتصاديًا، بل يُنظر إليه نفسيًا بوصفه اعترافًا اجتماعيًا وقيمة رمزية للجهد والهوية المهنية.

الاستشارية النفسية الدكتورة هبة كمال العرنوس، قالت لعنب بلدي، إن غياب العدالة الوظيفية في الرواتب والأجور يؤدي إلى تراكم رواسب نفسية عميقة، تمتد آثارها من الفرد إلى الجماعة المهنية، ثم إلى البنية الاجتماعية الأوسع.

وبحسب العرنوس، فإن العدالة الوظيفية في الرواتب والأجور ليست تفصيلًا إداريًا يمكن تأجيله، بل مسألة تمس جوهر الإنسان العامل وكرامته النفسية، مشيرة إلى أنه حين يغيب الإنصاف، لا نخسر فقط إنتاجية أو كفاءات، بل نخسر المعنى الذي يجعل العمل مساحة إنسانية لا مجرد معركة بقاء.

ولفتت الاستشارية إلى أن حماية الصحة النفسية في بيئة العمل تبدأ من الاعتراف بأن الإنسان ليس أداة إنتاج، بل كيان يحتاج إلى إنصاف ليبقى قادرًا على العطاء، فالعمل الذي يُبنى على العدالة لا يصنع موظفين فقط، بل يصنع مجتمعات أكثر تماسكًا وقدرة على الصمود.

ويؤكد ما سبق الخبير الاقتصادي ملهم الجزماتي، الذي نوه إلى أن الرواتب في المرحلة الانتقالية ليست مجرد مسألة دخل، بل تتحول إلى معيار صامت لعدالة الدولة الجديدة، وعندما تظهر فروقات واضحة في الأجور داخل الجهاز الحكومي نفسه، فإن ذلك لا ينعكس فقط على المستوى المعيشي للموظفين، بل يترك أثرًا مباشرًا على طريقة عمل الإدارة العامة.

فالموظف الذي يؤدي عملًا مماثلًا لزميله لكنه يتقاضى أجرًا أقل بكثير، يبدأ بالنظر إلى الدولة كجهة غير منصفة، ما يضعف ثقته بالمؤسسة.

ومع محدودية فرص الانتقال الفعلي، يتحول هذا التفاوت إلى إحباط مزمن داخل المؤسسات الخدمية التقليدية، ينعكس تراجعًا في الحافز والالتزام لا خروجًا منظمًا للكفاءات، ومع الوقت، يتسلل هذا الإحباط إلى الأداء اليومي للخدمات، ويصبح عبئًا خفيًا على الاقتصاد، لأن ضعف الإدارة العامة يرفع تكلفة أي سياسة اقتصادية ويقلل من فعاليتها.

في المقابل، لا يمكن تجاهل أن بعض الحكومات في مراحل ما بعد النزاع تلجأ إلى أجور أعلى في مؤسسات محددة بدافع عملي، هو الحاجة السريعة إلى استقطاب كفاءات قادرة على إدارة ملفات معقدة وبناء هياكل جديدة، خصوصًا من الخارج.

هذا الخيار قد يكون مفهومًا كحل مؤقت، بحسب الجزماتي، لتجاوز هشاشة المرحلة، لكنه يصبح إشكاليًا حين يستمر من دون قواعد واضحة، لأنه يخلق شعورًا بأن العبء الأكبر من إعادة بناء الدولة يقع على موظفين لا تُعكس تضحياتهم في أجورهم، ما يولد مظلومية اجتماعية صامتة داخل الجهاز الحكومي.

على مستوى الفرد أو الجماعة المهنية والمجتمع

الشعور المستمر بالظلم المادي وعدم التقدير ينعكس مباشرة على مفهوم الذات المهنية، بحسب ما قالته الاستشارية النفسية الدكتورة هبة كمال العرنوس، إذ يبدأ العامل بتطوير صورة داخلية سلبية عن كفاءته وجدوى جهده، وهذا التآكل في التقدير الذاتي يترافق غالبًا مع:

• إحساس متزايد بانعدام القيمة واللاجدوى.
• قلق معيشي مزمن مرتبط بعدم الأمان الاقتصادي.
• أعراض اكتئابية تتراوح بين الإحباط وفقدان المعنى.
• احتراق نفسي ناتج عن استنزاف طويل الأمد دون مقابل عادل.
في السياق السوري، تتفاقم هذه الأعراض بسبب الضغوط الاقتصادية الحادة، ما يحوّل الظلم الوظيفي إلى عامل ضغط نفسي مزمن لا يجد الفرد حيّزًا آمنًا للتنفيس عنه.

على مستوى الجماعة المهنية، وفق الاستشارية، يرتبط غياب العدالة في الأجور ارتباطًا وثيقًا بارتفاع مستويات الإحباط المزمن، الذي غالبًا ما يتحول إلى عدوانية غير مباشرة (سخرية، مقاومة سلبية، تعطيل غير معلن)، تآكل الثقة بين الزملاء وبين العاملين والإدارة، ضعف الروابط المهنية والتضامن الجماعي، وتتجلى الرواسب النفسية في سلوكيات يومية داخل المؤسسات، مثل الانسحاب النفسي، انخفاض المبادرة، اللامبالاة، أو الدخول في صراعات داخلية تُعبّر عن توتر مكبوت أكثر من كونها خلافات مهنية حقيقية.

وأوضحت العرنوس أن آثار الظلم الوظيفي لا تتوقف عند حدود المؤسسة، بل تمتد إلى إضعاف الإحساس بالانتماء المؤسسي، وتراجع الثقة بالعدالة الاجتماعية عمومًا.

البعد المحلي السوري في التحليل النفسي المجتمعي

في سوريا، يتداخل غياب العدالة الوظيفية مع أزمات اقتصادية واجتماعية ممتدة، مما يجعله عاملًا ضاغطًا مضاعفًا على الصحة النفسية للعاملين، ويتقاطع الظلم الوظيفي مع ارتفاع تكاليف المعيشة، ومحدودية البدائل الوظيفية، بالإضافة إلى الخوف المستمر من فقدان العمل، مما يولد شعورًا بالعجز المكتسب، إذ يشعر العامل أن لا قدرة له على التغيير أو الاعتراض.

وأوضحت الاستشارية أن العامل السوري يعيش حالة من التناقض النفسي بين الحاجة القسرية للاستمرار في العمل والإحساس العميق بفقدان الكرامة المهنية.
وأوصت العرنوس المؤسسات باتباع مجموعة من السياسات:

• تبني إطار واضح للعدالة الوظيفية: ضرورة اعتماد معايير مكتوبة وشفافة لتحديد الرواتب والأجور، تستند إلى طبيعة العمل ومسؤولياته، والمؤهلات والخبرة، وحجم الجهد والضغط النفسي المرتبط بالوظيفة، لما لذلك من دور في خفض الشعور بالظلم الإدراكي.
• تعزيز الشفافية التنظيمية: الشفافية في شرح آليات الأجور والترقيات تُعد عاملًا وقائيًا للصحة النفسية، وتقلل من الإشاعات، والمقارنات السلبية، والتوترات البين شخصية داخل بيئة العمل.
• إدماج البعد النفسي في القرارات الإدارية: إذ يُوصى بأن تأخذ الإدارات بعين الاعتبار التأثيرات النفسية طويلة الأمد لعدم العدالة المادية، وليس فقط التوازن المالي الآني للمؤسسة.

سوريون يقبلون على استبدال العملة في دمشق - 4 كانون الثاني 2025 (عنب بلدي/ أحمد مسلماني)

سوريون يقبلون على استبدال العملة في دمشق – 4 كانون الثاني 2025 (عنب بلدي/ أحمد مسلماني)

الحلول الحقيقية لسلّم الرواتب تتطلب إرادة سياسية وموارد مالية وإصلاحًا شاملًا، بحسب الخبراء الاقتصاديين الذي تحدثت إليهم عنب بلدي، كما تتطلب رؤية استراتيجية تجمع بين الإجراءات العاجلة والإصلاحات الجذرية طويلة الأمد، فالخطة المقترحة يجب أن تكون متدرجة وعملية، بحسب نائب عميد كلية الاقتصاد في دمشق، ياسر المشعل، وتتلخص في:

المرحلة الأولى: الإجراءات العاجلة

  • تشكيل لجنة وطنية لإصلاح الأجور: تضم خبراء من وزارة المالية، وزارة التنمية الإدارية، خبراء اقتصاديين مستقلين، وممثلين عن الموظفين. مهمتها وضع خريطة طريق واضحة.
  • إجراء مسح شامل للرواتب: إنشاء قاعدة بيانات مركزية وموحدة لجميع العاملين في القطاع العام (بما في ذلك العقود المختلفة) لتوثيق الفجوات الحالية بدقة. هذا الإجراء ضروري لكشف “الموظفين الوهميين” وضبط الإنفاق.
  • تجميد التوظيف بعقود خاصة جديدة: إيقاف مؤقت للتعاقد وفق جداول رواتب استثنائية لمنع تفاقم المشكلة، إلا في حالات الضرورة القصوى وبموافقة مركزية.

المرحلة الثانية: الإصلاح الهيكلي

1.  تصميم سلّم رواتب موحد وجديد: هذا هو جوهر الإصلاح، إذ يجب أن يعتمد السلّم الجديد على معايير موضوعية مثل:

  • تقييم الوظيفة: تحديد قيمة كل وظيفة بناء على المسؤوليات، والمؤهلات المطلوبة، والجهد المبذول، وليس فقط على الشهادة العلمية.
  • الخبرة والكفاءة: ربط الترقيات والعلاوات بالأداء والخبرة الفعلية.
  • طبيعة المخاطر وبدل الاختصاص: منح علاوات للوظائف التي تتطلب مهارات نادرة أو تنطوي على مخاطر (مثل القضاة، الأطباء، المهندسين في مواقع نائية).

2.  إعادة هيكلة شاملة (إلغاء نظام العاملين الموحد): كما أشارت بعض الخطط الحكومية، يجب التحرك نحو هياكل رواتب مرنة خاصة بكل وزارة أو قطاع، ولكن ضمن إطار وطني موحد يضمن العدالة ويمنع التفاوتات الصارخة.

3.  معالجة أوضاع الموظفين الحاليين: نقل الموظفين من الجداول القديمة إلى السلم الجديد بشكل تدريجي وعادل، مع ضمان عدم تضرر أي موظف (الحفاظ على الراتب الأعلى بين القديم والجديد كمرحلة انتقالية).

المرحلة الثالثة: الاستدامة والرقابة

  • ربط الأجور بالإنتاجية والتضخم: إنشاء آلية مراجعة دورية للرواتب لربطها بمعدلات التضخم ومؤشرات الأداء الاقتصادي لضمان الحفاظ على القوة الشرائية.
  • تعزيز الشفافية والمساءلة: نشر جداول الرواتب بشكل شفاف، وتفعيل أجهزة الرقابة المالية والإدارية لمنع أي تجاوزات مستقبلية.
  • تنمية الموارد الذاتية للدولة: الإصلاح الحقيقي لا يكتمل إلا بتعزيز إيرادات الدولة عبر مكافحة الفساد، تحسين الجباية الضريبية والجمركية، وتشجيع الاستثمار المنتج لخلق اقتصاد قوي قادر على دفع رواتب عادلة ومستدامة.

إن معالجة شرخ الرواتب ليست مجرد خطوة اقتصادية، بل هي أساس لإعادة بناء الثقة، وتحقيق الاستقرار الاجتماعي، وتأسيس إدارة عامة حديثة وفعالة قادرة على قيادة مرحلة التعافي وإعادة الإعمار في سوريا.

أخبار ذات صلة

0 تعليق