“الفروغ” في حماة.. عقود تاريخية تتحول إلى أزمة اجتماعية وقانونية

عنب بلدي 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

حماة – عدي الحاج حسين

ساد عرف تجاري واقتصادي واجتماعي في سوريا يُعرف بـ”الفروغ”، وهو عقد يمنح حق الانتفاع طويل الأمد من المالك إلى المستأجر مقابل مبلغ أولي مقطوع يعادل ثمن تملك المحل ذاته، بينما تصبح الأجرة السنوية رمزية مع بقاء الملكية للمالك. وهي تشريعات مضى عليها أكثر من 70 عامًا.

والآن، ومع تضاعف أسعار العقارات وارتفاع قيمتها السوقية، بدأ الورثة والملاك الأصليون يطالبون باستعادة ممتلكاتهم أو إعادة النظر في العقود، حيث وجدوا أنفسهم أمام ملكية معطلة عاجزين عن الاستفادة من عقاراتهم أو إعادة تقييمها في السوق.

وفي المقابل، تحولت عقود “الفروغ” بالنسبة للتجار إلى ما يشبه الملكية المقنعة، فدفعوا مبالغ باهظة لـ”الفروغ” تعادل في بعض الأحيان ثمن منازل كاملة، وبنوا حياتهم الاقتصادية والاجتماعية على أساسها. وهنا تكشف الأزمة خللًا بنيويًا في القانون الذي لم يواكب التحولات.

وأمام هذه المشكلة، خرج عشرات التجار من أصحاب “الفروغ” في وقفات احتجاجية أمام وزارة العدل والقصر العدلي في بعض المحافظات السورية، رافعين لافتات تطالب بحماية الحقوق المكتسبة وعدم المساس بعقود “الفروغ”، حيث يرون فيها حقًا قانونيًا وماليًا دفعوا مقابله مبالغ ضخمة لهذه المحال.

احتجاجات مالكي “الفروغ” في حماة

شهدت مدينة حماة، في 21 من كانون الأول 2025، وقفة احتجاجية سلمية نظمها العشرات من مالكي عقارات “الفروغ” أمام القصر العدلي في المدينة. هذه الوقفة هي الثانية التي يحتج فيها أصحاب هذه العقارات، وجاءت اعتراضًا على تخمينات إيجارية جديدة وصفوها بأنها غير عادلة، أدت إلى رفع قيمة الإيجارات بشكل كبير.

ورصدت عنب بلدي بعض العبارات التي رُفعت على اللافتات خلال الوقفة، منها: “الفروغ تمليك وليست إيجارًا”، “نطالب بالعدالة”، “إنا ملاك فروغ ولسنا مغتصبين”، “حقوقنا وحقوق أبنائنا أمانة في أعناقكم”.

تخمينات “جائرة” وتضارب هائل

تتمحور أزمة احتجاج مالكي “الفروغ” في حماة حول القرارات الصادرة عن لجان التخمين التابعة للقضاء في حماة، والتي حددت قيمًا إيجارية جديدة وصفت من قبل المحتجين بأنها جائرة وغير واقعية. وتكمن خطورة هذه القرارات بالنسبة للمحتجين في أمرين: الزيادة الهائلة في القيمة، والتضارب الصارخ في التقديرات التي تفتقر إلى المعايير المهنية الواضحة، بحسب وصفهم.

وفي حديث لعنب بلدي، يروي تاجر الخضار وائل واوية تفاصيل مثيرة للاستغراب في تخمين إيجار محله الذي يقع في منطقة الحاضر الصغير، حيث كان يدفع 200 ألف ليرة سورية كتقييم تخمين سنوي فيما سبق، والآن وبعد صدور التخمين الجديد، تم تخمين محله الصغير بمبلغ 90 مليون ليرة سورية سنويًا.

ويستغرب وائل التفاوت في التقديرات قائلًا، إن جاره في المحل المجاور صدر تخمين بحقه بثلاثة ملايين، والآخر بأربعة ملايين كتخمين سنوي.

وأضاف أن هذه التخمينات ارتفعت في بعض المحال التجارية في المدينة إلى أكثر من عشرة أضعاف قيمتها السابقة، في وقت تشهد فيه السوق المحلية تراجعًا في الأعمال، مما يجعل تحمل هذه الأعباء شبه مستحيل ويُهدد دخل وأرزاق العشرات من الأسر.

سينما “الشرق” تشعل الفتيل

بدأت شرارة الأزمة قبل تحرير سوريا، في عهد النظام السابق، حيث باشرت الجهات الرسمية عملية تخمين جديدة لإيجارات عقارات الفروغ، بهدف رفع القيم الإيجارية لتتناسب مع الأسعار السوقية.

ومن بين تلك العقارات كانت سينما “الشرق” في حماة الخاضعة للتمديد الحكمي، حيث رفعت محكمة صلح حماة المدنية أجرتها من 4.56 مليون ليرة سورية سنويًا إلى 450 مليون ليرة سنويًا، أي ما يقارب 100 ضعف.

وأثارت هذه التخمينات مخاوف عميقة لدى التجار وأصحاب الفروغ، تحولت إلى حراك احتجاجي بعد التحرير.

وفي حديث لعنب بلدي، قال صاحب سينما “الشرق” كنان الشيخ سعيد، إنه يملك العقار بعقد “فروغ” منذ عام 1960 ضمن مرسوم، وإنه صدر قرار قضائي “غيابي” ضده دون إبلاغه رسميًا، وتم تخمين سينما “الشرق” في حماة بمبلغ 450 مليون ليرة سنويًا.

في المقابل، تم تخمين سينما “أوغاريت” التي يملكها أيضًا في حلب (مساحتها 800 متر، أي ضعف مساحة سينما الشرق) بمبلغ 33 مليون ليرة فقط، مما يكشف عن خلل وتخبط في معايير التقييم.

وأضاف كنان أنه يجب إلغاء كل القرارات الصادرة في ظل النظام السابق واعتبارها باطلة، مع ضرورة فتح تحقيق موسع من قبل اللجان المختصة في حماة، لإعادة الحقوق لأصحابها بناء على محاكمات عادلة وشفافة.

شرخ عميق بين أصحاب “الفروغ” والمالك الأصلي

يبرز الشرخ العميق بعد سبعة عقود على تشريعات الإيجار القديمة، حيث يرى المستأجر نفسه شريكًا أصيلًا وليس ضيفًا عابرًا، وذلك بحكم استثماراته الطويلة وتوارث المحل عبر الأجيال.

في المقابل، يطالب المالكون بحق مشروع في استعادة ملكيتهم واستثمارها في زمن الغلاء وانهيار العملة، خاصة مع ضآلة الإيجارات السنوية في بعض المناطق مقارنة بالقيم السوقية الحالية.

ويؤكد كثير من الملاك أنهم لا يسعون لطرد التجار، بل يطالبون بآلية أكثر عدالة تعترف بحقوق الورثة.

وفي هذا السياق، قال المتحدث الرسمي باسم جمعية الملاكين في سوريا، بشار محمد بوظو، في حديث إلى عنب بلدي، إن مرحلة الانفتاح الحالية تمثل فرصة تاريخية لتصحيح تشوهات عقود طويلة طالت حق الملكية الذي يكفله الدستور.

وأضاف أن قوانين الإيجار القديمة، وعلى رأسها نظام التمديد الحكمي، حولت العلاقة التعاقدية إلى شكل من أشكال المصادرة شبه الكاملة لحق المالك، وأفرزت ظواهر مشوهة مثل “الفروغ”.

وطالب بوظو بإلغاء القوانين الاستثنائية التي كرست التمديد الحكمي، وتمكين المالك من استرداد ملكه دون عوائق، وتعويضه تعويضًا عادلًا عن سنوات الإشغال على أساس القيمة السوقية، وذلك من خلال إنهاء “الفروغ” وإبطال جميع مفاعيله القانونية.

وأكد ضرورة إعادة تعريف عقد الإيجار تعريفًا قانونيًا واضحًا ينفي صراحة أي حقوق مكتسبة أو مؤبدة، مختتمًا بأن هذا الإصلاح لا يشكّل انتقاصًا من حق المستأجر، بل هو إعادة للعلاقة التعاقدية إلى مسارها الطبيعي القائم على العدالة الملكية.

ما الإجراءات الرسمية

أكدت الجهات الرسمية أن هدفها تحقيق العدالة وحماية الحقوق، في محاولة منها لمعالجة الأزمة المتعلقة بالإيجارات بما يوازن بين مصالح جميع الأطراف.

وفي هذا الإطار، عقد رئيس عدلية حماة، القاضي محمد أحمد النعسان، اجتماعًا ضمّ ممثلين عن غرفة تجارة حماة، ومعاون المحافظ، ونقابة المهندسين، والمحامي العام، والمفتش القضائي، بالإضافة إلى عدد من المستأجرين الذين نظموا الوقفة الاحتجاجية في المدينة.

وأوضح النعسان أن الأغلبية العظمى من المحتجين لا توجد دعاوى قضائية حالية بحقهم، وأنهم عبروا عن مخاوفهم من ارتفاع الإيجارات مستقبلًا استنادًا إلى تجارب سابقة متعلقة بقضية سينما “الشرق”.

وشدد على انفتاح القضاء أمام جميع الاعتراضات والاستفسارات عبر القنوات القانونية الرسمية، مؤكدًا التزام القضاء بالشفافية والإنصاف.

وأشار إلى أن دور القضاء الأساسي هو تطبيق القانون، وأن لب الإشكالية يتعلق بالمعايير الفنية المستخدمة في تقدير قيمة الإيجارات، وهي مسؤولية تقع على عاتق نقابة المهندسين بوصفها الجهة المختصة فنيًا. وتم الاتفاق خلال الاجتماع على عقد جلسة متابعة فنية موسعة في مقر النقابة.

من جهته، أكد رئيس غرفة تجارة حماة، سمير الحبال صوف، في حديث إلى عنب بلدي، ضرورة إيجاد حل سريع، معربًا عن أمله في أن يصدر البرلمان الجديد تشريعات عاجلة لمعالجة هذا الوضع، واصفًا استمراره بـ”غير المقبول”.

وأشار إلى أن “جذور المشكلة تعود إلى نظام البعث البائد، الذي أهدر حقوق البلاد والعباد”. وعن قانون الإيجارات القديم (الفروغ)، قال، “دعونا لا نستبق الأمور، فهي قوانين مضى عليها عقود وتحتاج إلى مختصين وفقهاء قانون للوصول إلى قوانين عادلة تنصف الجميع”.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق