نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
الأستاذ الجامعي ومعايير تقييم الأداء!, اليوم الثلاثاء 13 يناير 2026 12:45 صباحاً
يدور هذه الأيام جدل محموم داخل الأوساط الأكاديمية حول تقييم أداء وكفاءة الأستاذ الجامعي، والمعايير التي ينبغي اعتمادها في هذا التقييم. وبينما يرى بعض الأكاديميين في التقييم انتقاصا من مكانة الأستاذ وتعريضا لهيبته العلمية، يعتبره آخرون ضرورة تفرضها التحولات الإدارية التي تشهدها الجامعات، خاصة في ظل محاولات التخصيص وتنامي منطق الحوكمة المؤسسية. وفي المقابل، يقف فريق ثالث موقف المتفرج، إما لبعده عن الممارسة الأكاديمية الفعلية، أو لقرب مغادرته المشهد الجامعي بالتقاعد النظامي أو المبكر.
غير أن السؤال الجوهري لا يكمن في قبول التقييم أو رفضه، بقدر ما يتمحور حول طبيعة التقييم ذاته، ومعاييره، وأهدافه. فالأستاذ الجامعي، بوصفه عضوا مثبتا في وظيفته، لم يصل إلى مكانته العلمية صدفة، بل عبر مسار طويل من الجهد والتمحيص والتقويم العلمي والإداري. ومن هنا، فإن أي نظام لتقييم أدائه ينبغي أن يكون محفزا على التطوير، لا أداة للتذمر أو الإقصاء، وأن يستند إلى معايير واضحة، عادلة، وقابلة للقياس، دون أن تمس حقوقه الوظيفية أو مكانته العلمية.
وفي هذا السياق، تبدو مسألة كون التقييم الجديد تجريبيا هذا العام في بعض الجامعات، أو تأخر الإبلاغ به، مسألة شكلية لا تمس جوهر النقاش، ما دام أنه لا يترتب عليه أثر وظيفي أو مالي مباشر. فجوهر القضية يتمثل في مناقشة المعايير المقترحة ذاتها، وهو ما يفترض أن يكون محور الحوار داخل مجالس الأقسام والاجتماعات العليا في الإدارات الجامعية، بعيدا عن المواقف الانفعالية أو الرفض المسبق، ومن هذا المنطلق دعونا نبسط الحديث حول التقييم بمناقشة معاييره المقترحة.
المعيار الأول: النصاب التدريسي وجودة العملية التعليمية.. يعد الالتزام بالنصاب التدريسي من صميم واجبات الأستاذ الجامعي، وهو التزام نظامي لا يفترض أن يكون محل جدل. غير أن تحويله إلى معيار للتقييم ينبغي أن ينصب على الالتزام الفعلي بالحضور والأداء وفق الجدول المعتمد، لا على مجرد عدد الساعات المحدد نظاما. أما الحديث عن جودة العملية التعليمية، فينبغي أن يكون أكثر دقة؛ فالجودة هنا نتاج عملية متكاملة تتداخل فيها عوامل متعددة، لا يمكن اختزالها في كفاءة الأستاذ وحده. ولهذا، فإن قياس الأداء الفعلي يبدو بديلا أكثر واقعية، من خلال مؤشرات مثل نتائج الطلاب، وطرق التدريس، والالتزام بالمقررات ومراجعها، وإدارة الاختبارات، والقيام بالمهام التعليمية المرتبطة بها، على أن تضبط هذه المؤشرات بمعايير واضحة قابلة للقياس.
المعيار الثاني: النشر العلمي والتأليف والترجمة.. ينظر إلى النشر العلمي بوصفه حجر الزاوية في تقييم الأداء البحثي، غير أن هذا المعيار بات مستهلكا، إذ يستخدم في أكثر من سياق، مثل بدلات التميز وجوائز البحث العلمي وغيرها. كما أن كثرة نشر الأبحاث لا تعكس بالضرورة عمق الأثر العلمي أو جودة الأداء الأكاديمي، وهو ما تؤكده تجارب علمية معروفة، حيث لم تكن قلة النشر عائقا أمام إسهامات علمية كبرى. ومن هنا، قد يكون من الأجدى إعادة توجيه هذا المعيار نحو الإشراف على الرسائل العلمية، ومناقشتها، وتحكيم الأبحاث، والمشاركة في المؤتمرات والمجلات والجمعيات العلمية. فالإشراف العلمي هو قلب العملية البحثية، وفيه تصنع المعرفة، ويبنى جيل الباحثين، وهو معيار أكثر اتصالا برسالة الجامعة الجوهرية.
المعيار الثالث: اللجان والإرشاد الأكاديمي والساعات المكتبية.. تشكل المشاركة الفعلية في اللجان الأكاديمية والإدارية أحد أوجه العمل الجامعي، إلا أن العدالة تقتضي تحديد اللجان التي يعتد بها في التقييم، نظرا لعدم تساوي فرص المشاركة فيها. وينسحب الأمر ذاته على الإرشاد الأكاديمي، الذي ينبغي توسيع دائرته ليشمل مختلف المراحل الدراسية، وبآلية جماعية تضمن مشاركة أكبر عدد ممكن من أعضاء هيئة التدريس. أما الساعات المكتبية، فالتزام الأستاذ بها يظل قائما حتى مع عزوف الطلاب عن الاستفادة منها، سواء أكانت حضورا مباشرا أم عبر الوسائل التقنية الرسمية المعتمدة من الجامعات.
المعيار الرابع: الخدمة المجتمعية.. ورغم أهمية اشتراك عضو هيئة التدريس في الأنشطة المجتمعية، فإن إدراجها في التقييم ينبغي أن يكون بنسبة رمزية، من باب تعويض درجات التقييم لا أكثر، إذ إن الخدمة المجتمعية، في جوهرها، هي أثر من آثار تميز الأستاذ الجامعي، لا معيارا أصيلا للحكم على أدائه الوظيفي.
وصحيح أن الجامعات العالمية الكبرى تطبق تقييما سنويا لأعضاء هيئة التدريس، إلا أن الهدف منه لا ينصب على قياس الكفاءة العلمية بقدر ما يرتبط بالترقيات وتحديد الرواتب والاستقرار الوظيفي. ويظل تقييم الأداء لأي موظف كان وسيلة تطوير وضبط مؤسسي، متى ما التزم بالموضوعية، ووضوح المعايير. ويبقى تقييم الأستاذ الجامعي، في كل الأحوال، إشكالية قابلة للأخذ والرد، في جامعاتنا كما في غيرها.


















0 تعليق