بحر الخليج الأتعس عالميا

مكه 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
بحر الخليج الأتعس عالميا, اليوم الثلاثاء 2 يونيو 2026 12:45 صباحاً


لا بحر ولا ممر مائي ينافس كينونة خليجنا (العربي ـ الفارسي) في مقدار ما يحمله من تعاسة وأعباء وتعديات وغموض وتوترات وتلوث وصراعات تتجدد.

بحر كان يفترض أن يكون متنفسا وممرا للتجارة والطاقة لمن يشرفون على ضفتيه، وجسرا للتواصل بين الشعوب والأعراق المتشاركة في مياهه وسواحله، لكنه تحول، عبر تراكم عقود مضطربة، إلى أكثر بحار العالم حساسية وتسليحا وتدخلا إقليميا وسيطرة عالمية، حتى بات عبوره مرهقا وتعيسا لكل من يفكر في ذلك، كونه يعيش حربا تحضر وتغيب وفق أهواء المتلاعبين في واقعه.

الخليج لم يكن مجرد مساحة مائية بين ضفتين، ولم يعرف أشرعة الحب ولا مراكب التلاقي، ولم يُبن وجوده على توطين السلام، رغم أنه شريان نابض للنقل والطاقة البينية والعالمية، وبوابة تنطلق عبرها كميات هائلة من النفط والغاز نحو أطراف الأرض.

ولذلك فأي أزمة تقع فيه لا تبقى محصورة بحدوده، ولا تكون قابلة للحلول العقلانية بسهولة، بل ترتفع معها الشعارات، والمؤامرات، وتلتهب أسعار الطاقة عالميا، وتهتز الأسواق، ويجتاح العالم كله قلق شديد تجاه مستقبل الإمدادات النفطية.

في الحرب العراقية الإيرانية دخل الخليج مرحلة من العناد والتدمير، وتحولت مياهه إلى مرايا سوداء تعكس نيران الحرب، وتمر فوقها ناقلات النفط كأنها تسير على براكين.

وفي حرب تحرير الكويت تضاعفت المآسي، وعانت بيئته البحرية من التسربات النفطية، وأحرقت الآبار، واختنقت المياه والشواطئ، وتضررت بيئته الحيوانية والنباتية لسنوات طوال.

واليوم، لم يعد التلوث وحده هو الخطر الأكبر، بل سادت حالة التوتر السياسي والعسكري، وانعكس الصراع الإيراني ـ الأمريكي على أطراف العالم.

إيران لم تتعامل يوما مع الخليج باعتباره مساحة طبيعية مشتركة للعيش والتعاون وحسن الجوار، بل جعلت منه ورقة ضغط وسلاحا سياسيا تستخدمه كلما اشتدت عليها العقوبات أو تصاعد خلافها مع الغرب.

وتعاظمت التحديات المتكررة، وبلغت حد إغلاق مضيق هرمز وتهديد الملاحة فيه، رغم ما يمثله عمليا من تهديد للاقتصاد العالمي بأكمله.

ولم يتوقف الأمر عند ذلك، بل امتد إلى زرع الألغام البحرية، واستهداف الموانئ والسفن التجارية، وتحويل الملاحة في الخليج إلى عملية محفوفة بالحذر والمخاطر.

وهكذا أصبح الخليج بحرا يعيش على أعصاب أصحابه، في دول مهما بلغت رغبتها في السلام، تظل تستنزف إمكاناتها بالحيطة والتسلح والحماية، وبناء موانئ تعيش تحت هاجس التوترات، وشعوب تترقب أي تصعيد جديد قد يحول المنطقة إلى ساحة حرب مفتوحة.

خليج لم يعرف حتى الاستقرار في اسمه؛ فالعرب يسمونه الخليج العربي، بينما تصر إيران على تسميته بالخليج الفارسي، وكأن الخلاف امتد حتى إلى هوية الماء وذاته.

ولهذا تظل مياه الخليج وجيرته تعيسة في كل شيء؛ كينونته، وطبيعته، وأمنه، وبيئته، وأجواؤه، وعلاقات دوله، وحتى في تعريفه الجغرافي.

خليج محسود بغناه بالنفط والثروة والأهمية العالمية، لكنه فقير إلى الطمأنينة والسلام.

وهذه حالة عسر ثقافي وجغرافي وحضاري تحتاج إلى قوانين سياسية واضحة، وتدخل دولي قوي، حتى يعود البحر إلى تأدية دوره الطبيعي في الإبحار والتجارة والتنمية، وحمايته من الصراعات العشوائية التي ترسم عوالمه بالخوف والتراجع والتقوقع كلما حمله الزمن نحو المستقبل.

shaheralnahari@

أخبار ذات صلة

0 تعليق