نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
الحج.. سباق الشرف الذي لا خاسر فيه, اليوم الثلاثاء 2 يونيو 2026 12:45 صباحاً
أي دولة وعند استضافة حدث أو معرض عالمي أو بطولة رياضية، فإنها تبدأ الاستعداد قبل شهور طويلة وربما قبل سنوات، وذلك لتنظيم الحدث الذي قد لا يتجاوز حضوره مئات الآلاف، حيث تغلق شوارع، وتبنى فنادق أو مدن مؤقتة، وتستنفر الوزارات.. كل ذلك من أجل تأمين حدث محدد يمكن اختيار مكانه وزمانه بما يتلاءم مع الظروف، كما أن أي فعالية فغالبا ما يكون جمهورها متجانسا نسبيا، كمشجعي كرة قدم أو زوار معرض تقني أو عقاري أو مشاركين في مؤتمر، فإنه يمكن التعامل معهم بسهولة، ورغم كل هذه المقومات المتوفرة والاستعدادات، فكثيرا ما تحدث العديد من الأمور الخارجة عن السيطرة.
أما في مكة المكرمة، فالمعادلة مختلفة تماما، حيث هنا لا نتحدث عن معرض ولا عن بطولة، بل نتحدث عن موسم الحج الذي تستضيف فيه المملكة ما قد يزيد عن مليوني حاج، والتحدي ليس في العدد فقط.. بل في التعقيد البشري، كونهم من أكثر من 150 جنسية، ويتحدثون لغات متعددة ويحملون ثقافات وعادات وتوقعات مختلفة، ويجتمعون في بقعة لا تتجاوز 18 كيلومترا مربعا، خلال 5 أيام محددة، لأداء مناسك لا تقبل الخطأ ولا تحتمل التأجيل، فالحج عبادة موقوتة بزمن محدد «أشهر معلومات» و«أيام معدودات»، وله مناسك محددة، أفعال شرعها الله لا يجوز تجاوزها أو تغييرها، كما قال تعالى ﴿الحج أشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج﴾ وقال النبي ﷺ «خذوا عني مناسككم». ومع ذلك فإن الأمور تسير بفضل الله سبحانه بكل انسيابية وسهولة وطمأنينة.
والسؤال الذي يطرح نفسه: كيف تدير المملكة ما يعجز عنه العالم؟
عندما يقترب موسم الحج في كل عام تتحول المملكة إلى خلية نحل عملاقة، الكل يعمل ويتسابق لكنه سباق من نوع فريد، سباق بلا خاسر لأن الدافع هو التشرف بخدمة الحاج، استنفار كامل من جميع القطاعات، فالعمل في موسم الحج لا يمكن أن يكون فرديا بأي حال من الأحوال، فهو عبارة عن احترافية تعتمد على التكامل لا على التفرد، كل وزارة تعمل في مسارها، وربما أكثر من 70 وزارة وجهة وشركة وقطاع تذوب في منظومة واحدة عبر مركز عمليات موحد، فوزارة الحج تطلق ورش التقييم وتشرف على تجهيز المخيمات عبر شركات متخصصة، والدفاع المدني يراجع خطط الطوارئ، والصحة تجهز مخزونها الاستراتيجي من الأدوية واللقاحات، والهيئة الملكية لمدينة مكة والمشاعر تعمل على تطوير البنية التحتية، والأمن العام يضع الخطط المرورية والأمنية والبلديات تراجع خطط الرقابة الميدانية والنظافة، وكذلك وزارة التجارة والنقل والشؤون الإسلامية والهلال الأحمر الذي يجهز الفرق الإسعافية وطائرات الإخلاء، الكل يعمل في منظومة واحدة والجميع يؤدي دوره باحترافية، توزيع وسقيا زمزم وتقديم وجبات مجانية عبر الجمعيات الخيرية، وذبح أكثر من مليون رأس من الأضاحي وفق أحدث التقنيات، بينما تتنافس شركات الاتصالات على توفير أقوى تغطية وأسرع إنترنت في المشاعر.
ولم يعد التنافس بالمعدات فقط بل دخلت التقنية على الخط وتوالت التطبيقات الذكية لتسهيل رحلة الحاج من تأشيرة الدخول حتى طواف الوداع، وكذلك الذكاء الاصطناعي لمراقبة الحشود وإدارة التفويج والأساور الذكية والبطاقات الرقمية في تتبع الحجاج ورعاية كبار السن، حتى الروبوتات دخلت السباق، فمنها ما هو للتعقيم وأخرى للتوجيه أو لتوزيع ماء زمزم، إضافة إلى العديد من القطاعات والجهات والتي لن يتسع المجال لسرد ما تقدمه من جهود، فالجميع يعمل ويتفانى ويستشعر عظم وشرف المسؤولية.
إن هذا السباق الحميم بين الجهات الحكومية لخدمة الحجاج ليس مشروعا موسميا ينتهي برمي الجمرات، بل هو مشروع دائم يبدأ لحظة انتهاء الموسم السابق، وتحديدا مع غروب شمس يوم 13 ذي الحجة.
بمجرد انتهاء موسم الحج في كل عام يبدأ الاستعداد للموسم القادم، اجتماعات وزارية وتقارير ميدانية وورش عمل ورصد للملاحظات وتحليل البيانات ومراجعة خطط الطوارئ وإدارة الحشود، والوقوف على الأداء لتعزيز ما كان ناجحا ومعالجة وإكمال ما كان ناقصا من أجل الوصول إلى مستوى عال من الخدمات التي تليق بضيوف الرحمن، فكل ملاحظة وكل زحام وكل حالة مرضية تسجل وتحلل لتتحول إلى تطوير في العام القادم، لأن رؤية المملكة 2030 وضعت هدفا واضحا: استضافة 30 مليون معتمر و5 ملايين حاج سنويا، فهو سباق شرف، بدأه ملوك كرام حملوا لقب «خادم الحرمين الشريفين»، وطالما بقي هذا الاسم، سيبقى السباق مستمرا، والخير متصلا في أبناء هذه البلاد المباركة كافة، بالتشرف في خدمة الحاج، وسيظل ضيف الرحمن في عين الرعاية وقلب الاهتمام.
وهنا تتضح الإجابة عن السؤال السابق: فالفرق الجوهري أن الدول تستضيف فعالياتها كاستثمار اقتصادي، أما المملكة تستضيف الحج كأمانة وشرف ومسؤولية دينية وتاريخية، والعالم يتفاخر بقدرته على تنظيم أولمبياد أو معرض، بينما المملكة تفاخر بأنها تنظم الحج كل عام، بملايينه وتعقيده وتنوعه، وتعيده في العام التالي أكثر دقة وأقل زحاما وأعلى أمانا، لذلك فإن النجاحات هنا لا تقاس بالإيرادات، والجهات الحكومية والخدمية لا تتنافس على الأرباح، بل على شرف الخدمة، شعارها واحد، وهو «خدمة الحاج شرف وأمانة ومسؤولية».











0 تعليق