الانقراض الحضري ودروس من العصر الطباشيري

مكه 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
الانقراض الحضري ودروس من العصر الطباشيري, اليوم الأحد 1 فبراير 2026 12:57 صباحاً

إن تاريخ الأرض ليس مجرد سجل جيولوجي؛ بل هو نظام ديناميكي متغير عبر الزمان. الأرض صاحبتها فترات انهيارات وركود وتغيرات مستمرة أثرت على طبيعة الحياة. تاريخ الأرض والمراحل التي مرت بها هي قصة تحكي تغيرا مناخيا، وبيئيا، وأشكالا مختلفة للحياة. هذه المراحل لا يمكن النظر لها كعصور جيولوجية فحسب؛ بل كأنماط لحياة متعاقبة كان استمرارها مرهونا بقدرتها على التكيف مع البيئة والتنوع والمنافسة. ولكن ما علاقة ذلك بالتخطيط العمراني؟ في الواقع، هناك قاسم مشترك بين التحول الديناميكي للأرض مع طبيعة التغيرات المكانية، فالتخطيط هو امتداد لمنطوق فكرة التكيف مع البيئة والموارد المتاحة.

في العصر الطباشيري (145 مليون سنة - 66 مليون سنة) ازدهرت الحياة واتسمت بالدفء والاعتدال وظهرت أنواع عديدة من النباتات والأزهار، والأحياء البحرية، والزواحف والحشرات. لم يكن الإنسان موجودا في تلك الفترة، وكانت الحياة جميلة حيث الماء والخضرة والأزهار المتفتحة. لكن هذه الأزهار الملونة لم تدم، والازدهار لم يكن مستداما فأعقبه انهيار وانقراض جماعي اختفت معه أكثر من 75% من الكائنات الحية. لقد كان نظاما بيئيا وفيرا بالموارد، ولكنه هش في الوقت ذاته. تلا ذلك فترات طويلة أعقبها العصر الجليدي الرباعي (2.6 مليون سنة - 11 ألف سنة) والذي يعد من أكثر العصور قسوة، حيث واجهت الحياة ظروفا بيئية قاسية وتقلبات مناخية حادة هددت جميع الكائنات الحية، وكان البقاء فيها للأكثر قدرة على التكيف. تطورت بعض الكائنات الحية واختفت تلك التي لم تكن قادرة على تغيير سلوكياتها وأنماط حياتها. لم يظهر الإنسان في العصر الطباشيري؛ ولكنه ظهر في العصر الرباعي قبل حوالي 2.5 مليون سنة، وتطور خلال الفترات الجليدية المتعاقبة، حيث التحولات الصعبة، ليثبت قدرته على التكيف مع الضغوطات. ظهر الإنسان من رحم المعاناة واستخدم ذكاءه في التحليل وتطويع البيئة وصناعة الأدوات لحمايته من الأخطار والتكيف مع التغيرات البيئية القاسية. كان يعيش في مجموعات صغيرة يكافح ويتكيف مع الظروف المناخية، وهذا يؤكد أن التخطيط حتى لو كان بدائيا فهو يعد سلوكا إنسانيا وليس اختراعا حديثا.

إن المفارقة بين العصر الطباشيري والجليدي الرباعي تقدم لنا درسا هاما في التخطيط؛ ففترات الوفرة والنمو والازدهار لا تعني بالضرورة الاستدامة، إذا لم تدر الموارد بشكل رشيد. وفي الوقت ذاته، شح الموارد وتقلبات المناخ يدفعان الإنسان دفعا للتخطيط لمواجهة التهديدات المستقبلية. العصر الطباشيري يشبه عصر الطفرات الاقتصادية، حيث تتوفر الموارد ويسود التفاؤل ويحدث التوسع العمراني المفرط؛ ولكن دون تطوير لمنظومة تخطيط مستدامة قادرة على الصمود في وجه التحديات المستقبلية، تصنع بيئة هشة يمكنها أن تتلاشى سريعا. ويشهد التاريخ بمدن عدة سادت ثم بادت؛ لأنها اعتمدت على مصدر واحد كالمياه والتربة والزراعة.

إن المدينة تشبه الطبقات الجيولوجية التي تحمل قصة زمانها وتسلسلها التاريخي، وتؤثر على الأجيال المستقبلية. لقد أظهر تاريخ الأرض قدرة الإنسان على البقاء بفضل التخطيط والاستجابة لمخاطر التغيرات المناخية أو الجفاف أو الفيضانات. من هذا المنطق، فالمدن التي تخطط دون استيعاب تام للموارد المتاحة، والظروف الاجتماعية والاقتصادية تصبح أكثر هشاشة أمام الأزمات. وهكذا، فالتخطيط المرن هو الذي يقرأ التحولات المستقبلية ويستعد للكوارث. أما التخطيط الجامد، فهو الذي يفترض ثبات الظروف المستقبلية، ويسير تماما في الطريق ذاته الذي سارت فيه الكائنات الحية في العصر الطباشيري ثم اختفت عند أول اختبار حقيقي لها.

في الختام، هل نبني مدنا مستدامة، أم نكرر أخطاء الماضي لنبني أنماطا تقودنا إلى انقراض حضري؟

أخبار ذات صلة

0 تعليق