نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
ليس كل قطع قطيعة ولا كل صلة حكمة, اليوم الأحد 1 فبراير 2026 12:57 صباحاً
من أكثر المفاهيم التي تسرب إليها الخلط في الوعي العام، أن «قطيعة الرحم»، تعني الفتور والتباعد والانقطاع في التواصل، وكأن الشريعة تلزم الإنسان أن يبقى في كل علاقة على الإيقاع ذاته، مهما صار القرب سببا لاستنزاف نفسي واجتماعي؛ وهذه القراءة، مع حسن نيتها، تسقط فقه الشريعة بين الحق والفضل، ودفع الضرر وطلب الأجر.
القطيعة المحرمة ليست مجرد ترك عابر، أو غياب ليوم أو أكثر، ولا تأخر عن زيارة أو مكالمة؛ وإنما هي حالة مستقرة من الإعراض تفضي إلى إسقاط ما يجب من حقوق الرحم، أو تترجم لأذى مقصود، أو تتحول لهجر غير مبرر، ولهذا كان من الضروري أن نفهم أن ليس كل ترك قطيعة؛ فقد يقل التواصل لعذر معتبر، كسفر، وانشغال، ووضع اعتباري ما، وقد يقل بلا عذر قوي لكنه لا يصل للإلغاء، والفارق ليس في الترك، بل في صورته وآثاره.
الشريعة، وهي تعظم الرحم، لا تسقط الاهتمام بالواقع ولا بطبائع البشر، ولا تلزم المتأذي أن يبقى مستباحا باسم الفضيلة، ومن هنا جاء باب مهم يغفل عنه كثيرون، وهو أن الهجر يشرع في بعض الأحوال، على جهة التأديب ودرء المفسدة، وهنا يكون الهجر ليس نزوة وانتقاما، بل مسافة محسوبة تغلق باب العبث إذا صار القرب فتنة، وتكسر عادة الاستخفاف إذا صار الإحسان وقودا لتمادي المسيء؛ وهنا أيضا قد يقع سوء فهم آخر، وهو أن يتخيل بعضنا أن الشريعة تطالب بالاتصال الدائم، أو بالقطيعة المطلقة؛ بينما الحديث الصحيح يضع معيارا أدق لمعنى الصلة والقطع، وهو الشحناء والخصومة؛ ففي الحديث «تفتح أبواب الجنة يوم الاثنين والخميس، فيغفر الله عز وجل لكل عبد لا يشرك بالله شيئا، إلا رجلا كان بينه وبين أخيه شحناء، فيقول: أنظروا هذين حتى يصطلحا...؛ كذا حديث «يطلع الله تبارك وتعالى على خلقه ليلة النصف من شعبان، فيغفر لجميع خلقه إلا لمشرك أو مشاحن»، الذي صححه الإمام ابن حبان، ورواه الإمامان الطبراني والبيهقي وغيرهما؛ فالعبرة هنا ليست في أن تخالط من يؤذيك على الدوام، بل ألا يتحول التباعد لشحناء، وخصومة، وثأر، وتصير القلوب ساحة حروب وتصفيات.
من أدق ما قيل في هذا الباب، جواب الإمام ابن حجر عن حديث «لا تعد من لا يعودك»، بقوله: لم يرد بهذا اللفظ وإنما هو من كلام ابن وهب، وأيضا ما ورد بسند احتج به بعضهم، عن سيدنا جابر بن عبدالله رضي الله عنه، قال: خطبنا صلى الله عليه وسلم فقال «يا أيها الناس أنا أكرم الناس حسبا، وذكر، ومن عاد مرضانا عدنا مرضاه»، الذي يستأنس له بحديث «لا خير في صحبة من لا يرى لك مثل ما ترى له»، وقول الإمام أحمد لما قال له ولده: يا أبت إن جارنا مرض فما نعوده؟، فقال: ما عادنا فنعوده؛ ومن قال إن هذا ينافي حديث «عد من لا يعودك»، يقال له، إنه لا ينافيه، لإمكان حمل الأول على التأديب، والثاني على مقام هضم النفس وعدم الالتفات لحظوظها.
أختم بأن الشريعة لو كانت تمنع كل تباعد، لما شرعت الطلاق عند النزاع، ولا أباحت للمتخاصمين أن يرفعوا مظلماتهم للمحاكم؛ فالشريعة تفرق بين إسقاط الرحم، وبين انفصال غايته رفع الضرر واستقامة الحياة، والميزان الجامع هو ليس كل قطع قطيعة، وليس كل صلة حكمة، ومن وصل فقد أحسن، والصلة عبادة، والتباعد علاج، والأرحام محفوظة بقدرها.

















0 تعليق