«أبستاين» الوجه الآخر

مكه 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
«أبستاين» الوجه الآخر, اليوم الثلاثاء 3 فبراير 2026 12:45 صباحاً


لم يكن اسم «جيفري أبستاين» في البداية أكثر من رجل أعمال غامض ظهر فجأة في نيويورك، ثم صار مع الوقت جزءا من أحاديث الصالونات المغلقة، قبل أن يتحول لاحقا إلى أحد أكثر الأسماء إثارة للجدل في التاريخ الأميركي الحديث؛ الغريب في قصته ليس فقط ما كشف عنه، بل ما لم يكشف حتى الآن، وما دفع كثيرا من الصحفيين والمحققين إلى التساؤل كيف لرجل بلا منصب رسمي، وبلا شركة عالمية معروفة، وبلا تاريخ مالي واضح، أن يجلس إلى هذا الحد من القرب من الرؤساء والمليارديرات وصناع القرار؟

أبستاين بدأ حياته المهنية مدرسا، ثم انتقل إلى عالم المال عبر بنك «بير ستيرنز»، قبل أن يؤسس شركة خاصة لإدارة الثروات، لكن هنا تبدأ المنطقة الرمادية؛ فبحسب تقارير موسعة نشرتها رويترز، لم يكن لديه عدد معروف من العملاء، ولا صناديق استثمارية عامة، ولا نشاط مالي تقليدي يفسر الثروة التي امتلكها أو نمط الحياة التي عاشها، ومع ذلك كان يحلق بطائرته الخاصة، ويمتلك قصورا في نيويورك وباريس وجزيرة خاصة في الكاريبي، ويستضيف شخصيات لا تجتمع عادة إلا في أروقة السلطة العليا.

«أبستاين» اسم جذب انتباه الصحافة الاستقصائية، لم يكن بسبب المال وحده، بل طبيعة العلاقات التي كان يملكها، فوثائق محاكم وتقارير صحفية نشرتها CNN ووسائل إعلام أخرى، أظهرت أن أبستاين لم يكن مجرد ضيف في هذه الدوائر، بل كان حلقة وصل، رجل يعرف من يعرّف على من، ومتى، وأين، وفي أي سياق بعيد عن الأضواء، لم يكن صانع قرار، لكنه كان يعرف صانعي القرار، ولم يكن رجل سياسة، لكنه كان حاضرا حيث تطبخ السياسة خارج المؤسسات الرسمية.

في مثل هذه الحالات، يتحدث الصحفيون عن فئة لا تظهر في بطاقات الأعمال ولا في السير الذاتية، «الوسطاء غير الرسميين» أشخاص لا يملكون سلطة مباشرة، لكنهم يملكون القدرة على فتح الأبواب المغلقة، تقارير نشرتها قناة PBS الأمريكية، اعتمادا على مراسلات الكترونية وسجلات سفر، وصفت أبستاين بأنه كان يجمع بين المال، والنفوذ، والخصوصية، في وقت واحد، وهو مزيج نادر يجعل صاحبه مفيدا لكثيرين.. وخطيرا على كثيرين في الوقت نفسه.

وعندما انفجرت قضيته الجنائية، ركز الإعلام بطبيعته على الجانب الصادم «الاستغلال الجنسي والجرائم الأخلاقية»، لكن مع مرور الوقت، بدأت الأسئلة تتغير.. لماذا كانت شبكته واسعة إلى هذا الحد؟ ولماذا استمرت علاقاته حتى بعد إدانته الأولى؟ ولماذا بدا أن سقوطه يهدد أسماء ومؤسسات أكبر منه بكثير؟ هذه الأسئلة لم تأت من فراغ، بل من متابعة دقيقة لملفاته، ولطريقة تعامل النظام القضائي والإعلامي معه.

ثم جاء موته داخل السجن عام 2019 ليضيف طبقة جديدة من الغموض، تقرير الطب الشرعي أغلق الملف رسميا، لكن التحقيقات الصحفية لم تغلقه. على العكس، أعادت رويترز ووكالات أخرى فتح النقاش حول ما تركه خلفه من وثائق، وأسماء، وشبكة علاقات لم تفكك بالكامل لاحقا، ومع الإفراج عن دفعات جديدة من الملفات القضائية في الولايات المتحدة، عادت القصة إلى الواجهة، ليس بوصفها جريمة فردية، بل بوصفها نافذة على عالم يعمل خارج الكاميرات.

هنا لم يعد أبستاين اسم شخص فقط، بل صار مصطلحا، نموذجا لرجل لا يملك سلطة ظاهرة، لكنه يتحرك بين السلطات، ولا يملك قرارا رسميا، لكنه يعرف كيف يصل إلى القرار. ولهذا السبب تحديدا، تتعامل كثير من الصحف الغربية مع قضيته اليوم كحالة دراسية لفهم النفوذ غير المعلن، وكيف يمكن للعلاقات الشخصية، والامتيازات الاجتماعية، والسرية، أن تصنع قوة تفوق أحيانا قوة المؤسسات نفسها.

القصة، في جوهرها، ليست عن رجل سقط، بل عن نظام سمح له أن يصعد، ويستمر، ويصبح مفيدا، قبل أن يتحول إلى عبء، ولهذا كلما ذكر اسم أبستاين، لم يعد السؤال ماذا فعل؟ بل كيف سمح له أن يكون كل هذا؟
وهذا السؤال، كما تقول الصحافة الأميركية نفسها، ما زال مفتوحا.

alsheddi@

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق