المؤلفة الموسيقية دانا الفردان تتألق على أعرق المسارح الإيطالية

راية 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

الدوحة، الراية :

تتميّز مدينة كالياري في فصل الشتاء بنبض خاص يفيض بالحياة، حيث تتربّع العاصمة الساحلية لجزيرة سردينيا الإيطالية على ضفاف البحر الأبيض المتوسط، محتضنةً تاريخاً عريقاً تعكسه واجهاتها الحجرية العتيقة التي تتنفس عبق البحر ونقاء المتوسطي.

وفي أمسية استثنائية مع نهاية العام الماضي، شهد مسرح تياترو ليريكو دي كالياري — أحد أعرق الصروح الثقافية والفنية في إيطاليا — عرضاً موسيقياً فريداً حمل عنوان " أنغام من ضفّتَين " (Il Canto di Due Mari)، جمع بين روح الشرق وعمق الغرب، واحتفى بالتلاقي الفني بين الثقافة القطرية ونظيرتها السردينية.

وقدّمت المؤلفة الموسيقية القطرية دانا الفردان، التي كرست أكثر من عقد لاستكشاف وتطوير الموسيقى الشرقية، عملاً فنياً استثنائياً جسّد حواراً موسيقياً عابراً للحدود. وجاء هذا العمل في أول ظهور لها على المسرح السرديني، لتختتم به عام 2025 بلوحة فنية متكاملة تنبض بالإحساس والهوية.

وقاد الأوركسترا المايسترو جيوفاني باسيني، ابن مدينة كالياري وأحد الأسماء الموسيقية التي تحظى بتقدير واسع لدى الجمهور القطري، حيث شكّل هذا اللقاء الموسيقي انطلاقة راقية لجسر ثقافي جديد يجمع بين التقاليد الفنية السردينية والقطرية، في حوار موسيقي يعكس عمق التلاقي بين الحضارتين.

على مدى 75 دقيقة، قدّمت دانا الفردان، إلى جانب نخبة لامعة من الموسيقيين العالميين، عرضًا موسيقيًا شكّل درسًا متقنًا في فن السرد الموسيقي. وشاركها المسرح كلّ من عازفة الكمان المتألقة آنّا تيفو، وعازف الساكسفون جافينو مورجيا، والمغنية أليس ماراس، إلى جانب فرقة الفجري القطرية، في توليفة فنية ثرية تنوّعت في أنماطها وتعبيراتها.

وانتقل البرنامج بسلاسة لافتة من الزخم الدرامي لأعمال كلاسيكية بارزة، بدءًا من افتتاحية "رسلان ولودميلا" لغلينكا، وقطعة "إيسوكونشيرتو" لإيتسيو بوسّو، إلى العالم التعبيري الخاص بدانا الفردان. وقد قُدِّمت مختارات من أعمالها، من بينها مقطوعات من "نادر"، وتهويدة "أنديميروناي"، إضافة إلى طبقات موسيقية آسرة من ألبومها "تمبست"، ولا سيما مقطوعتي “Black Rose” و“Borealis”، في تجربة جمعت بين الفخامة السيمفونية والحميمية.

وقد أدّت أوركسترا وكورال أوبرا سردينيا هذا العمل، الذي شهد العرض العالمي الأول لتوزيع كورالي جديد لمقطوعة "تمبست، من إعداد المايسترو جيوفاني باسيني. وقد خُصّص هذا العمل، الذي أُنجز خصيصًا لهذه المناسبة، ليُهدى إلى كورال أوبرا سردينيا، بتوقيع دانا الفردان، في لفتة فنية تجسّد عمق التعاون الثقافي بين ضفّتي المتوسط والخليج.

تجلّى جوهر الأمسية في "الأحجار الناطقة"، وهي المنحوتات الصوتية الأسطورية للفنان السرديني الراحل بينوتشيو شِيولا. هذه الكتل الحجرية الضخمة من الحجر الجيري والبازلت لا تُعرض كأعمال نحتية فحسب، بل تُعزف كآلات حيّة؛ فعندما تُلامَس أو تُضرَب—بأنامل ماريا شِيولا وبمشاركة أندريا غرانيتسيو في بعض المقاطع—تُطلق طنينًا معدنيًا عتيقًا، يبدو وكأنه ينبعث من أعماق الجزيرة نفسها.

ومن خلال دمج هذه الذبذبات الطبيعية في توزيعها الموسيقي المعاصر، نجحت دانا الفردان في الوصول إلى حالة فنية خام ونقية على نحو لافت. وفي حديثها عن هذه التجربة، أشارت إلى حُسن حظها في "استلهام تردّدات هذه الأرض"، معتبرة أن هذا التواصل مع الطبيعة شكّل وسيلة لاستعادة التوازن والانسجام الداخلي.

وفي تأمّلها للبعد الأعمق للأمسية، أوضحت دانا الفردان أن هذا العرض لم يكن سوى «الحركة الأولى» في سيمفونية دولية أوسع. وأضافت أن اختلاف الثقافات لا يلغي وحدة الإيقاع الإنساني، بل يعزّزها، وهو ما تجلّى في التقاء الإرث القطري مع التقاليد الإيطالية.

وفي هذا السياق، قالت: "إن قيمنا الإنسانية المشتركة وتقديرنا العميق للفنون قادانا إلى سلسلة من التعاونات التي تُشكّل أساسًا لتكامل ثقافي أوسع وأعمق، عبر مجموعة من المبادرات والأنشطة المزمع تنفيذها في المستقبل القريب".

وبهذا التصريح، منحت الفردان مؤلفاتها ذات الطابع الحالم بُعدًا واقعيًا ورؤية واضحة للمرحلة المقبلة، تربط بين الإبداع الفني والطموح الثقافي طويل المدى.

وشهدت الأمسية حضورًا رسميًا وثقافيًا رفيع المستوى، تصدّرته السيدة أليساندرا تودّي، رئيسة إقليم سردينيا، والسيد ماسيمو زِدّا، عمدة كالياري. كما حضر عن دار الأوبرا كل من أندريا تشيني، المدير العام لمؤسسة تياترو ليريكو، ولورينزو ديل بيكيا، السكرتير الفني للمؤسسة، في دعم واضح لاستراتيجية الانفتاح الثقافي والتعاون الدولي.

وقد ارتكز نجاح الأمسية على الرؤية الفنية للشريك الإبداعي المقرّب من دانا الفردان، المايسترو جيوفاني باسيني، الذي أضفى بقيادته المتقنة حياةً نابضة على العمل الموسيقي بكل تعقيداته وتفاصيله. كما أضاف عازف البيانو والملحّن أندريا غرانيتسيو بعدًا خاصًا للأمسية، حيث يواصل — إلى جانب ماريا شيولا — صون الإرث الفني الفريد لـ"الأحجار الناطقة" ونقله إلى آفاق معاصرة.

وبوصفها أول ملحّنة قطرية تمزج الفلكلور الشعبي بالموسيقى الأوركسترالية، شكّلت مسيرة دانا الفردان نموذجًا فنيًا متفرّدًا. فمنذ عام 2016، وهي تعمل على توسيع هذا اللون الموسيقي وتقديمه إلى العالم.

ويُعد ألبومها "تمبست" محطة بارزة في هذا المسار؛ إذ يستلهم موسيقى الغوص على اللؤلؤ «الفجري»، ويقدّمها ضمن عمل سيمفوني سينمائي ضخم شارك فيه أكثر من مئة موسيقي، مستحضرًا حكايات البحر العالمية، ومؤكدًا عالمية التجربة الإنسانية وعلاقتها الأزلية بالماء.

وسواء من خلال نجاحها على مسارح وست إند في Broken Wings، أو في العمل الملحمي Rumi: The Musical الذي عُرض على خشبة London Coliseum قبل عودته إلى الدوحة، تواصل دانا الفردان كسر القوالب التقليدية، مؤكدة أن الموسيقى لغة تتجاوز الجغرافيا.

وجاء عرض كالياري ليشكّل تمهيدًا لمرحلة جديدة في عام 2026، عنوانها تعاون ثقافي أوسع بين سردينيا وقطر في مجالات السياحة، والفنون، وريادة الأعمال، ضمن رؤية تحتفي بالحوار الإنساني والإبداع العابر للحدود.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق