إعادة تعريف جيوبوليتيك الجزيرة العربية ونهاية مشاريع التفتيت

مكه 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
إعادة تعريف جيوبوليتيك الجزيرة العربية ونهاية مشاريع التفتيت, اليوم الاثنين 5 يناير 2026 04:41 صباحاً


تشهد الجزيرة العربية اليوم تحولا جيوبوليتيكيا صامتا لكنه عميق الأثر، تحولا لا تصنعه المعارك الكبرى ولا التحالفات المعلنة بل تصنعه إعادة ترتيب هادئة لموازين القوى والنفوذ في أحد أكثر الفضاءات الجغرافية حساسية في العالم.

ففي اليمن حيث تتقاطع مصالح القوى الإقليمية والدولية منذ عقود وحيث تحولت الجغرافيا إلى ساحة صراع مفتوحة على مشاريع متعددة ومتناقضة، فلطالما كان اليمن بموقعه الاستراتيجي على مدخل البحر الأحمر وقربه من أهم الممرات البحرية في العالم هدفا لمشاريع التفكيك والهيمنة. فالجغرافيا اليمنية ليست مجرد أرض بل نقطة تحكم في شريان حيوي للاقتصاد العالمي ومساحة نفوذ محتملة لكل من يسعى إلى إعادة رسم خريطة القوة في المنطقة.

ولهذا السبب بالذات لم يكن غريبا أن يصبح اليمن مسرحا لمشاريع متعددة. لكن ما يحدث اليوم يشير إلى أن أحد أخطر هذه المشاريع وهو المشروع الذي سعى إلى تحويل الجنوب اليمني إلى كيان منفصل قابل للتوظيف الخارجي، يواجه فشلا استراتيجيا يعيد تشكيل المعادلة برمتها.

هذا الفشل ليس مجرد تعثر تكتيكي أو انتكاسة مؤقتة بل هو انهيار لمنطق كامل في التعامل مع الجغرافيا اليمنية، منطق كان يراهن على إمكانية تحويل اليمن إلى مساحة رمادية خارج السيادة الكاملة ومفتوحة على الدوام للاختراق والتدويل. وما يجعل هذا الفشل أكثر دلالة هو أن المشروع الذي يتراجع اليوم لم يكن مشروعا محليا خالصا بل كان جزءا من رؤية إقليمية ودولية أوسع، رؤية تنظر إلى البحر الأحمر كساحة مفتوحة للنفوذ وإلى الجزيرة العربية كخرائط قابلة لإعادة الرسم. ولهذا فإن ما نشهده اليوم في اليمن يتجاوز الحالة اليمنية الداخلية ليصبح مؤشرا على تحول أعمق في «جيوبوليتيك» المنطقة بأسرها.

من بين هذه المشاريع يبرز المشروع الإسرائيلي الذي يتكئ على تخادم إقليمي، وهو مشروع لا يمكن قراءته كتحول يمني داخلي أو كفشل أداة محلية معزولة، بل بوصفه لحظة جيوبوليتيكية كبرى تعيد تعريف موقع الجزيرة العربية في معادلة الإقليم. فهذا المشروع لم يكن عسكريا مباشرا، بل مشروع وظيفي تفكيكي يعتمد على ما يمكن تسميته «الجيوبوليتيك بالوكالة الهيكلية»، حيث تعاد هندسة البنية السياسية والهوياتية للدولة المستهدفة نفسها، بحيث تصبح الجغرافيا ذاتها أداة تفكيك دائمة لا مجرد ساحة صراع مؤقتة.

كان الهدف تحويل الجنوب اليمني إلى «كيان عتبي» على غرار «صومالاند»، يمنح شرعية جزئية دولية عبر اعترافات انتقائية ودعم مؤسسي محدود، لكنه يبقى خارج النظام الدولي الكامل مما يجعله مساحة رمادية قابلة للتوظيف في معادلات أكبر منها. وهو ما بدا واضحا في الآونة الأخيرة عبر تصريحات إعلامية متبادلة بين بعض قيادات المجلس الانتقالي وإسرائيل. وبهذا المعنى فإن ما كان يسعى إليه هو إنتاج «جنوب وظيفي» قابل للتدويل يتحول من قضية سياسية عادلة إلى ورقة ضغط إقليمية ومساحة تفاوض دولي دائمة.

ويزداد هذا المسار خطورة حين يوضع في سياق الحلم الصهيوني القديم بالتمدد البحري، وهو الحلم الذي عبر عنه ديفيد بن غوريون صراحة بقوله «إني أحلم بأساطيل داود تمخر عباب البحر الأحمر». فهذا التصريح يقرأ كإعلان مبكر عن إدراك إسرائيل لأهمية البحر الأحمر بوصفه شريانا جيوبوليتيكيا حاسما في معادلة الأمن والاقتصاد والتأثير الدولي. ومن هذا المنظور يمكن فهم السعي الإسرائيلي المنهجي للاقتراب جغرافيا من ضفتي البحر الأحمر، بدءا من القرن الأفريقي واعترافها بصومالاند وتقوية علاقاتها مع إثيوبيا بشكل خاص، وصولا إلى محاولة استكمال هذا التمركز عبر جنوب اليمن.

في هذا الإطار يصبح اندفاع المجلس الانتقالي الجنوبي نحو تقديم عربون اعتراف متبادل بإسرائيل مؤشرا بالغ الخطورة، إذ يكشف عن استعداد بعض الفاعلين المحليين للتحول إلى أدوات في مشروع خارجي يبحث عن موطئ قدم على الضفة العربية للبحر الأحمر يمهد لها فاعلين وظيفيين على مستوى دول، هذا التوجه لا يمنح الجنوب اعترافا دوليا حقيقيا بل يضعه في قلب صراع أكبر منه ويحوله من «قضية سياسية عادلة» إلى وظيفة جيوبوليتيكية في خدمة مشروع لا يرى في اليمن سوى مساحة عبور ونفوذ.

غير أن فشل هذا المشروع التفكيكي لم يكن محض صدفة بل نتيجة تفاعل عوامل داخلية وخارجية متشابكة. فعلى المستوى الإقليمي ظلت السعودية ملتزمة منذ البداية بوحدة اليمن واستقراره وفق ما نص عليه قرار مجلس الأمن 2216 وهو ما جعل أي مشروع تقسيمي يصطدم بموقف سعودي ثابت لا يقبل المساومة على وحدة الجغرافيا اليمنية. هذا الموقف لم يكن مجرد التزام قانوني بقرار دولي، بل تعبير عن إدراك استراتيجي عميق بأن تفكيك اليمن يعني تحويل الحدود الجنوبية للمملكة إلى مساحة فوضى دائمة، وفتح المجال لاختراقات إقليمية ودولية متعددة لا يمكن السيطرة عليها.

على المستوى الداخلي فشل المجلس الانتقالي الجنوبي في بناء شرعية شعبية أو مؤسسية حقيقية تتجاوز السيطرة المسلحة على بعض المناطق. والأهم من ذلك أن المجلس الانتقالي ليس الممثل الوحيد للقضية الجنوبية، وهو ما أكدته المطالبات المتكررة من المكونات الجنوبية كافة لرئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني الدكتور رشاد العليمي، بأن يطلب من السعودية عقد مؤتمر في الرياض يجمع المكونات الجنوبية كافة.

هذا المطلب ليس إلا دليلا واضحا على رفض هذه المكونات لاحتكار القضية الجنوبية أو اختزالها في جهة واحدة. فالقضية الجنوبية ليست حصرا على أحد وهناك مكونات عديدة غنية بالقيادات والشخصيات الوطنية، ولا يمكن اختزالها في شخص أو كيان واحد كالمجلس الانتقالي أو شخصية واحدة كعيدروس الزبيدي. إن القضية الجنوبية حين تختطف لصالح مشاريع خارجية أو طموحات سلطوية ضيقة، تفقد بعدها العادل وتتحول إلى أداة تقويض لا مشروع تحرر أو شراكة وطنية. كما أن البنية القبلية والاجتماعية اليمنية رغم تعقيداتها، أظهرت مقاومة عميقة لمحاولات الاختراق الخارجي التي تتعارض مع مفهوم الدولة الجامعة، حتى في ظل غياب مؤسسات دولة فعالة.

إن الإشكالية البنيوية للدولة اليمنية والمتمثلة في علاقتها المعقدة بالبنية القبلية وعجزها التاريخي عن احتكار العنف، لا تعني أن اليمنيين يقبلون بدائل التفكيك بل تعني أن بناء دولة موحدة يتطلب نموذجا جديدا قادرا على «استيعاب التعددية» دون السقوط في التشظي.

أما على المستوى الدولي الأوسع فقد تزامن تراجع المشروع التقسيمي مع تحولات جيوبوليتيكية واقتصادية كبرى تجعل استقرار اليمن ضرورة دولية لا مجرد رغبة إقليمية. فالبحر الأحمر ليس مجرد ممر بحري بل شريان حيوي للتجارة العالمية حيث يمر عبره نحو 12% من التجارة البحرية الدولية و30% من حركة الحاويات العالمية. أصبح أي تهديد للملاحة في هذا المجال تهديدا لمصالح اقتصادية عالمية كبرى.

كما أن الصين بوصفها المستفيد الأكبر من حرية الملاحة عبر قناة السويس والبحر الأحمر، باتت تنظر بقلق متزايد إلى أي محاولات لتحويل اليمن إلى مساحة فوضى تهدد مبادرة الحزام والطريق. حتى روسيا التي تحاول العودة إلى البحر الأحمر عبر علاقات مع السودان وإريتريا، لديها مصلحة في استقرار الملاحة وعدم تحول المنطقة إلى ساحة صراع مفتوحة. هذا التوافق الدولي الضمني على أهمية استقرار اليمن وإن لم يترجم دائما إلى مواقف علنية ساهم في تضييق الخناق على المشاريع التقسيمية التي تهدد هذا الاستقرار.

أما الدور الأمريكي في هذه المعادلة فيكشف عن منطق استراتيجي أعمق مما قد يبدو للوهلة الأولى. فواشنطن رغم تذبذب مواقفها بين إدارة وأخرى وبين أولويات متضاربة كمحاربة الإرهاب واحتواء إيران وحماية حرية الملاحة، تدرك أن وحدة اليمن تخدم مصالحها الاستراتيجية طويلة المدى. فخلال فترة الحرب الباردة وما بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، خضع اليمن لمعادلة تنافسية حادة بين الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة الأمريكية، معادلة أنتجت انقساما «جغرافيا-سياسيا» بين شمال موال للغرب وجنوب اشتراكي مرتبط بموسكو.

هذا الانقسام لم يكن مجرد صراع أيديولوجي، بل تمظهر لمعادلة أمن بحري أوسع فصلت بين بحر العرب والبحر الأحمر، حيث سعى كل معسكر إلى السيطرة على أحد المدخلين الحيويين لهذا الممر الاستراتيجي.

لكن مع تفكك الاتحاد السوفيتي عام 1991 واندماج اليمنيين في دولة واحدة تحققت لأمريكا معادلة استراتيجية مثالية: يمن موحد لا يخضع لمنافسة قوة عظمى أخرى، مما رسخ الهيمنة الأمريكية على كامل المجال البحري اليمني دون الحاجة إلى انقسام يفتح المجال لتنافسات جديدة. إن إبقاء اليمن موحدا يرسخ هذه المعادلة التي مكنت أمريكا من أن تكون القوة المهيمنة على هذا الممر الحيوي، دون أن تضطر إلى إدارة تعقيدات كيانات منفصلة قد تصبح مداخل لنفوذ صيني أو روسي أو إيراني.

لذا فإن الغموض الأمريكي الظاهر في بعض المراحل وعدم اتخاذ موقف حازم ضد المحاولات الإماراتية لدعم الانفصال الجنوبي، لم يكن تأييدا للتقسيم بقدر ما كان حسابات تكتيكية مرتبطة بإدارة العلاقة مع حلفاء إقليميين على تبايناتها. لكن على المستوى الاستراتيجي العميق تبقى أمريكا معنية ببقاء اليمن موحدا لأن هذه الوحدة تحفظ المعادلة التي ورثتها من نهاية الحرب الباردة. ومع تصاعد التهديدات الحوثية للملاحة الدولية في البحر الأحمر والمنافسة الصينية المتزايدة على النفوذ في المنطقة، بات الموقف الأمريكي يتجه بوضوح أكبر نحو دعم حل سياسي شامل يستعيد وظيفة الدولة في اليمن، لا نحو دعم كيانات منفصلة قد تفتح المجال لمنافسين استراتيجيين أو تعجز عن السيطرة على الجغرافيا وحماية الممرات البحرية التي تبقى حيوية للمصالح الأمريكية والعالمية.​ ​​​​​​​​

ومع تراجع هذا المشروع التفكيكي يعاد رسم الدور السعودي في الإقليم بشكل أعمق. فالمملكة تنتقل من منطق حماية الحدود إلى منطق هندسة المجال الإقليمي، حيث يتحول اليمن من عبء أمني إلى رافعة استقرار محتملة، ويعاد تعريف البحر الأحمر كفضاء سيادي عربي لا كساحة مفتوحة للاختراق أو التدويل. إن تأمين باب المندب هنا لا يفهم كمهمة بحرية فحسب بل كجزء من إعادة بناء التوازن بين الجغرافيا والقرار السيادي، وكتعبير عن قدرة الجزيرة العربية على حماية مجالها الحيوي دون الاعتماد الكامل على قوى خارجية. هذا التحول السعودي لا ينفصل عن رؤية أوسع ترى في استقرار اليمن شرطا لاستقرار الجزيرة بأكملها ولنجاح المشاريع الاقتصادية الطموحة التي تعتمد على بيئة إقليمية آمنة ومستقرة.

لكن السؤال الحاسم الذي يبقى مفتوحا هو: أي نموذج دولة يمكن أن ينجح في اليمن؟ فالحديث عن عودة الدولة يجب أن يرافقه تحليل عميق لطبيعة هذه الدولة وقدرتها على استيعاب البنية القبلية المعقدة دون أن تلغيها أو تلغى بها. إن اليمن ليس مجرد دولة ضعيفة بل دولة لم تستطع تاريخيا بناء مؤسسات تتجاوز الولاءات القبلية والمناطقية، ولم تنجح في احتكار العنف الشرعي أو في توفير الخدمات الأساسية لمواطنيها بشكل متساو. لذا فإن أي حديث عن دولة يمنية موحدة يجب أن يتضمن تصورا واضحا لكيفية بناء مؤسسات فعالة تستوعب التعددية الجغرافية والقبلية والسياسية، دون السقوط في مركزية استبدادية تعيد إنتاج أسباب الصراع، أو في فدرالية مفككة تمهد لانفصالات مستقبلية. إن التحدي الحقيقي ليس في إعلان وحدة اليمن بل في بناء نموذج حكم قادر على جعل هذه الوحدة خيارا مستداما ومقبولا من مختلف المكونات.

كما أن مستقبل المجلس الانتقالي الجنوبي نفسه يبقى سؤالا مفتوحا فهل سيدمج في العملية السياسية اليمنية كفاعل سياسي طبيعي؟ هل سيتحول إلى حزب سياسي يمارس العمل السياسي بأدوات مدنية؟ أم سيبقى فاعلا مسلحا محليا يهدد الاستقرار؟ إن الإجابة عن هذا السؤال حاسمة لفهم ما إذا كان تراجع المشروع التقسيمي يعني نهاية الخطر، أم مجرد تحوله إلى شكل آخر؟ فالقضية الجنوبية تبقى قضية عادلة في جوهرها لكنها قابلة للاختطاف ما لم تحل ضمن صيغة شراكة وطنية حقيقية تعالج المظالم التاريخية وتوفر تمثيلا عادلا في السلطة والثروة، وتستوعب المكونات الجنوبية كافة بتنوعها وغناها القيادي والسياسي، لا أن تحصر في كيان واحد أو شخصية واحدة.

إن ما نشهده اليوم في اليمن ليس مجرد سقوط مشروع تقسيمي، بل إعادة تعريف للممكن والمستحيل في جيوبوليتيك الجزيرة العربية. فقد تراجع وهم الكيانات الصغيرة القابلة للتدويل، وعادت الدولة المركزية بوصفها الخيار الأقل سوءا، لا بالضرورة الأمثل، لكن هذه العودة ليست حتمية ولا مكتملة، بل مشروطة ببناء نموذج دولة جديد قادر على استيعاب التعددية دون السقوط في التشظي، وقادر على ممارسة السيادة دون إعادة إنتاج الاستبداد. ومع ذلك فإن تراجع المشروع التقسيمي لا يعني نهاية المخاطر بل تحولها. فالجغرافيا اليمنية تبقى مساحة إغراء لكل من يبحث عن موطئ قدم في البحر الأحمر، والقضية الجنوبية تبقى قضية عادلة قابلة للاختطاف ما لم تحل ضمن صيغة شراكة وطنية حقيقية.

في النهاية لا يعاد تشكيل جيوبوليتيك الجزيرة العربية بالإعلانات أو التمنيات، بل بالبناء المؤسسي الصلب وبإدراك أن الجغرافيا لا تحمي نفسها، بل تحمى بقرار سياسي واع، وبقدرة على تحويل الإمكانات الجغرافية إلى قوة سيادية مستدامة. إن تراجع منطق التقسيم يمثل فرصة تاريخية لإعادة بناء اليمن على أسس سيادية سليمة، ولإعادة الاعتبار للجزيرة العربية كجغرافيا سيادية واحدة، لا كخرائط قابلة للتمزيق وفق أحلام قديمة أعيد إنتاجها بأدوات جديدة. لكن تحويل هذه الفرصة إلى واقع يتطلب إرادة سياسية قوية، ورؤية استراتيجية واضحة وقدرة على التعلم من أخطاء الماضي وبناء مستقبل مختلف.​​​​​​​​​​​​​​​

TurkiGoblan@

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق