نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
ورطة الإعلام والمثقف في أزمات الجيرة, اليوم الأحد 1 فبراير 2026 12:57 صباحاً
في خضم الأزمات بين دول الجيرة الشقيقة، لا تكون وسائل الإعلام مجرد ناقل للخبر، بل يتحول الإعلامي والمثقف فيها إلى فاعل سياسي واجتماعي وأخلاقي، كونه يمتلك القدرة على الشرح والتحليل والتهدئة، كما يملك القدرة على إشعال الحرائق.
وما يجري في المشهد الإعلامي المصاحب للتوترات بين المملكة العربية السعودية وجارتها الشقيقة دولة الإمارات يقدم نموذجا حيا لتلك الأدوار المركبة، حيث تتداخل الرؤية والوطنية والعقلانية والمهنية القادرة على التفريق بين التحليل السياسي، وبين الانفعال اللحظي، ومن الدبلوماسية إلى الافتراء، وصولا للانزلاق إلى خطاب سباب متشنج لا يخدم وطنا ولا قضية.
ليس مطلوبا من الإعلامي أو المثقف أن يكون محايدا في كل الأحوال، فالحياد المطلق لا يعطي الفائدة في القضايا المصيرية.
ومن الطبيعي، بل من المشروع، أن ينحاز الإعلامي لقضايا بلده حين يرى أن مواقفها واضحة، سيادية، متعادلة، ومتسقة مع مصالح الجيرة وأمنها القومي، وتحولات مواقفها حسب الواقع، كما هو الحال في موقف السعودية بإعادة تقييم علاقاتها بمنظومتها الخليجية وتحالفاتها، وتغيير منسوب الثقة والاعتماد، خصوصا في الملفات المعقدة كاليمن وخطورة تشعباته السياسية والعسكرية.
الانحياز المنطقي شيء، والانفلات الأخلاقي شيء آخر.
فالمثقف والإعلامي الحقيقي لا يصرخ، ولا يسب، ولا يشتم، ولا يتحدر في أخلاقه ويحول المنابر الإعلامية إلى ساحات تنفيس وتفريغ عن حرقة الأحقاد الشخصية أو الأمراض النفسية.
صوت يستطيع رؤية الصورة كاملة، ويربط الأحداث بسياقاتها، ويحلل المواقف السياسية بناء على الوقائع لا الانفعالات.
يسمي الأشياء بأسمائها، ويكشف الخلل الفعلي حيث يوجد، ويحاسب السياسات لا الشعوب، ويفكك الأدوار لا الهويات.
فالنقد السياسي لا يستوجب الإساءة، وفضح التدخلات أو الخيانات، لا يبرر الانحدار إلى لغة سوقية تطعن في الأوطان أو تتطاول على الرموز والشعوب.
لقد جنح بعض الإعلاميين، في خضم هذا التوتر، إلى خطاب عنف، متشنج، رذيل، يخلط بين الدولة والنظام، وبين السياسة والتاريخ، وبين الخلاف المؤقت والعداء الوجودي.
هذا الخطاب المفتعل لا يعبر عن قوة موقف، بل عن تشنج، ولا يخدم الحقيقة بقدر ما يخدم لحظة غضب عابرة، وخائن يتربص.
غضب، في المحصلة، يضر بالوعي العام أكثر مما يضر بالطرف الآخر، لأنه يزرع الشقاق بين شعوب متجاورة، تجمعها اللغة والتاريخ والأرض والمصير، مما لا يمكن اقتلاعه بخطاب أو افتعال أزمة عابرة.
الدور الإعلامي المسؤول يفرض النظر إلى أسس الماضي بوعي، وإلى أخطار الحاضر بجرأة، وإلى المستقبل بحكمة.
فما يبنى اليوم في الوعي الجمعي للشعوب سيبقى أثره طويلا، بينما السياسة بطبيعتها متقلبة، والحكام يخطئون، وربما يتبدلون، لكن الجغرافيا صامدة، والجيرة باقية، والوشائج العميقة بين الشعوب لا تزول بغضبة.
الإعلام الذي يحرق الجسور يكتشف متأخرا أنه أول من سقط مترمدا للوادي السحيق.
من هنا، تبرز الحاجة إلى أطر أخلاقية وقانونية تضبط الخطاب الإعلامي في أوقات الأزمات بين الجيرة، لا لتكميم الأفواه، بل لحماية القيمة والمعنى، وحفظ الكرامة، وصون الحقيقة، وترك السياسة تأخذ مجراها.
فالتاريخ لا يمنح الإعلامي والمثقف رفاهية الصمت ولا عذر الانحراف، وهو لا يحصنه بالحياد الساذج المرتعب في القضايا الكبرى، حد الخيانة.
الكلمة موقف ومسؤولية، من يخونها اليوم سيخسر غدا قيمته قبل أن يخسر قضيته.

















0 تعليق