نصف المعرفة أخطر من الجهل

مكه 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
نصف المعرفة أخطر من الجهل, اليوم الثلاثاء 27 يناير 2026 09:57 مساءً

في زمن صار فيه «محرك البحث» أقرب من الطبيب، تحول السؤال البريء «هل هذا الدواء آمن؟» إلى رحلة بين آلاف مواقع التواصل الاجتماعي والمواقع الالكترونية. الكل يتحدث، الكل يفتي، والكل يملك «تجربة شخصية» يقدمها بثقة مطلقة. لكن الحقيقة القاسية هي أن نصف المعرفة أخطر من الجهل الكامل، لأن الجهل يجعلك تسأل، بينما النصف معرفة يجعلك تظن أنك تعرف كل شيء.

تقول منظمة الصحة العالمية (WHO) إن أكثر من 60% من الناس حول العالم يبحثون عن معلومات طبية عبر الإنترنت قبل استشارة الطبيب. ومن هؤلاء، نصفهم تقريبا يتخذ قرارات علاجية بناء على ما قرأوه فقط، دون تحقق من المصدر. أما في دراسة سعودية أجريت عام 2024 على 1000 شخص في الرياض وجدة والدمام، فأظهرت أن 57% من المشاركين اعتمدوا على الإنترنت في فهم دوائهم، بينما ثلثهم تقريبا استخدموا الدواء بطريقة خاطئة نتيجة لمعلومة ناقصة أو مغلوطة.

وراء هذه الأرقام قصص كثير إحداها، امرأة قرأت أن «المضادات الحيوية تضعف المناعة»، فتوقفت عن علاج ابنتها قبل انتهاء الجرعة، فتعقدت حالتها. وقصة أخرى، شاب شاهد مقطعا على وسائل التواصل ينصحه بمزج نوعين من المسكنات لتخفيف الصداع أسرع، فانتهى به الأمر في قسم الطوارئ بسبب نزيف في المعدة.كلهم لم يقصدوا الخطأ، لكنهم وثقوا في معلومة نصفها صحيح... ونصفها الآخر قاتل.

الخطورة في «نصف المعرفة» أنها تقنعك أنك خبير. أنت لا تسأل الطبيب، لأنك «قرأت عنها». لا تستشير الصيدلي، لأنك «شفت مقطع عنها». لكن الطب لا يدار بالآراء، بل بالبينة والتجربة والمراجعة العلمية.الدواء الذي أنقذ حياة مريض، قد يدمر حياة آخر بسبب اختلاف بسيط في التاريخ المرضي أو التفاعل الدوائي.

في استطلاع أجرته الهيئة العامة للغذاء والدواء السعودية (SFDA) عام 2023، وجد أن نحو 40% من البلاغات المتعلقة بسوء استخدام الدواء تعود إلى اتباع نصائح من الإنترنت أو وسائل التواصل الاجتماعي.العبارة التي تقال كثيرا «دواء طبيعي ومضمون» أصبحت بوابة لآلاف المنتجات المجهولة، التي تسوق بعبارات طبية براقة لا تمر بأي رقابة علمية.

يقول أحد الأطباء السعوديين في لقاء تلفزيوني:

«الفرق بين الطبيب والمعلومة الالكترونية هو أن الطبيب يعالج إنسانا أمامه، بينما الإنترنت يعرض معلومة بلا سياق».

الصيدلي أو الطبيب لا يقدمان المعلومة فحسب، بل يقرآن خلفها عمر المريض، وزنه، حالته الصحية، تاريخه المرضي. أما الإنترنت فيقدم «نسخة واحدة للجميع»، والنتيجة: دواء يستخدم بطريقة صحيحة من شخص، وخاطئة من آخر.

نحن اليوم أمام معادلة جديدة: الوعي ليس بمعرفة المعلومة، بل بمعرفة مصدرها.لا عيب في أن تبحث، لكن الخطأ أن تعتبر ما تقرأه حقيقة مطلقة. الطبيب لا يلغى بوجود الإنترنت، بل يزداد دوره أهمية ليصحح المسار ويعيد الثقة في المعلومة الموثوقة.

ورغم هذه التحديات، تبقى مملكتنا الحبيبة نموذجا في وعيها الصحي وجهودها الرقابية.فقد أطلقت الهيئة العامة للغذاء والدواء خلال الأعوام الأخيرة حملات رقمية توعوية قوية، منها مبادرة لتمكين الممارسين الصحيين والمرضى من الوصول إلى مواد توعوية تضمن الاستخدام الآمن للأدوية وتقلل من المخاطر المرتبطة بها التي تهدف إلى مكافحة الشائعات الطبية وتوعية الناس بخطر المعلومات المضللة المنتشرة على المنصات الرقمية. كما أن تطبيقات مثل «طمني» و»صحتي» جعلت المواطن اليوم أقرب إلى المعلومة الصحيحة من أي وقت مضى. هذه الجهود ليست مجرد حملات موسمية، بل رؤية وطنية راسخة تعكس إيمان الدولة بأن الوعي الصحي جزء من الأمن الوطني، وأن حماية المواطن من الجهل الدوائي لا تقل أهمية عن حمايته من المرض نفسه.

وربما أجمل ما في العلم أنه يعترف بحدوده. كل دواء يأتي بنشرة مكتوبة بعناية، وكل كلمة فيها مرت بمراجعات علمية ومراحل اختبار طويلة. تلك الورقة الصغيرة التي نغفل قراءتها، تحمل أحيانا ما هو أهم من كل ما نراه على الشاشات.

الوعي الحقيقي لا يعني أن تعرف أكثر، بل أن تعرف من أين تعرف. وفي زمن تكثر فيه الأصوات، يصبح الأذكى من يسأل لا من يظن أنه أجاب.

أخبار ذات صلة

0 تعليق