نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
رحلة تخبط العلاقات العربية خلال قرن ملتهب, اليوم الثلاثاء 14 أبريل 2026 08:37 مساءً
منذ رحيل الاستعمار العثماني والأوروبي، دخلت الدول العربية في اختبارات المعدن، والحرية، وإعادة تعريف الكينونة والقدرات، والعلاقة مع أبناء العم.
تبدلت الحكومات، وتغيرت المسميات، ورسمت الحدود، وظهرت نخب تحاول صناعة المستقبل، مدفوعة ببريق الشعارات: القومية، والوحدة، والبعث، والاشتراكية، والتقدمية.
تحولات فوق مرجل يغلي بالثورات والانقلابات، وصعود الضباط الأحرار، وحماس جامح لتصدير الثورات.
فدخلت المنطقة في فوضى عارمة، استبدلت الاستعمار الخارجي بسلطات عسكرية، أكثر عنفا وتعنتا، وأشد إيغالا في صناعة الاحتراب الداخلي.
ثورات نزعت الملكيات، وأممت الاقتصادات، لا لتطلق طاقات الشعوب، بل لتحصرها تحت خطوط الفقر، وتذبح روح الإنتاج، وتعسكر الكفاءات، فدخلت تلك الدول في سباق عبثي، كجري الوحوش نحو أوهام الكمال.
وعلى الضفة الأخرى، اختارت دول الخليج مسارا أقل صخبا وأكثر واقعية؛ حافظت فيه على كينونة الطباع العربية دون ضجيج الشعارات، وبنت نموذجا قائما على الاستقرار والتنمية، وصناعة قدر من العدالة والرفاه.
كما مدت أيادي العون لأشقائها العرب، بهدوء لا يستعرض، وكرم لا يبتز، ومواقف لا تحمل ضغينة.
وفي السبعينات والثمانينات، تمددت التيارات المتشددة، وارتفعت خطابات التكفير والتخوين، فازدادت الفجوات بين الدول العربية، وتحولت العلاقات إلى ساحات مكائد ومؤامرات، في مشهد تتلبس فيه الخصومات بعباءة العروبة والأفضلية.
ومع التحولات العالمية، برز الاقتصاد الخليجي كمعيار جديد للثقل والنفوذ، يكشف عن دول تبني وتستثمر، وأخرى تستجدي وتستهلك وتعادي، وتنهار داخليا تحت وطأة الفساد والأوهام.
تفاوت لم يصنع فجوات تنموية فحسب، بل أفرز مشاعر حقد شعبي تجاه الدول الأكثر استقرارا، ترجم في كثير من الأحيان إلى مواقف سياسية سلبية، انعكست في ضعف الجامعة العربية، وتآكل مفهوم التضامن، وظهور تكتلات يغذيها الغضب أكثر مما يحكمها العقل.
وفي مطلع هذا القرن، جاءت ثورات الربيع العربي، لا لتعيد التوازن كما شاع عنها، بل لتكشف هشاشة البنية، وتسرع من العداء، ووتيرة التشظي والانهيار.
واليوم، ينكشف المشهد العربي بوضوح مؤلم، حين تعرضت دول الخليج لتعديات آثمة من الجار الإيراني، في ظل مواقف عربية مرتبكة، بل ومتناقضة أحيانا، حاولت تبرير صمتها أو تخاذلها بحجة مواجهة إيران لأمريكا وإسرائيل!، رغم أن كثيرا من تلك الدول مطبعة، وأخرى تحتضن قواعد عسكرية أجنبية، إلا أن الاصطفاف الأخلاقي الذي كان يفترض أن يكون بديهيا، بدا غائبا أو مشوها.
هنا تكشفت أخطر التحولات؛ إذ لم تعد الخلافات مجرد تباين في الرأي، بل تحولت إلى انقلابات في المواقف، وخلل عميق في موازين الأخوة والوفاء.
دول خليجية واجهت التحديات بثبات، ودافعت عن أوطانها ببسالة، ودون أن تستجدي دعما عسكريا، لكنها كانت تنتظر، ولو معنويا، موقفا أخويا يليق بروابط الدم والمصير، فإذا بها تصطدم بمواقف عدائية صريحة، ممن ظنتهم أشقاء.
دول عربية طال تخبطها، فقد ظلت أسيرة تخبطات أيديولوجيات متعبة، ورؤى ضبابية، وإدارات مأزومة، وتوظيف مرتبك للسياسة والدين، يختلط فيه الغرور بالعجز، حتى انتهت إلى هشاشة داخلية، وفقدان للتآخي.
ولعل الأخطر من كل ذلك، هو تآكل البوصلة الأخلاقية العربية؛ التي كانت، ولو شكليا، تضبط الاتجاه، وتمنح العلاقات حدا أدنى من المعنى.


















0 تعليق