محمد الهلال*
بعد أكثر من عقد من الحرب، لم يعد السؤال في سوريا من انتصر عسكريًا، بل كيف يمكن لهذا البلد أن يبقى دولة واحدة قابلة للحياة، وكيف يمكن للسوريين، عربًا وكُردًا وسريانًا وتركمانًا وجميع المكونات، أن ينتقلوا من منطق السلاح وفرض الأمر الواقع إلى منطق الدولة والقانون والمستقبل المشترك.
في قلب هذا النقاش تقف قضية “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد)، وعلاقتها بالدولة السورية وبالمكوّن الكردي وبالاستقرار الوطني. هذا نقاش لا يجوز أن يُدار بمنطق التخوين أو الإنكار، لأن ثمن الخطأ فيه لا يُدفع في غرف السياسة فقط، بل في شوارع حلب والقامشلي والرقة ودير الزور والحسكة، وفي بيوت الناس في عين العرب/كوباني ومنبج وتل أبيض وعامودا والدرباسية والمالكية، حيث يعيش العرب والكُرد جنبًا إلى جنب منذ عقود.
“قسد” نشأت في ظروف استثنائية فرضتها الحرب وانهيار مؤسسات الدولة والفراغ الأمني، واستطاعت أن تفرض نفسها كقوة أمر واقع في مناطق واسعة من شمال وشرق سوريا. لكنها، رغم ذلك، ليست حكومة منتخبة، ولا إطارًا تمثيليًا اختاره الناس ديمقراطيًا، بل تنظيمًا عسكريًا يملك السلاح ويسيطر على الأرض. ومن هنا يصبح الخلط بينها وبين الشعب الكردي السوري خطأ جسيمًا. الكرد السوريون مكوّن وطني أصيل، جذورهم في الجزيرة السورية وعفرين والقامشلي والحسكة ليست أقل عمقًا من جذور العرب في الرقة ودير الزور ومنبج والباب. كثير من العائلات في هذه المدن مختلطة، واللغة اليومية فيها عربية- كردية، والذاكرة مشتركة، وما يهددها اليوم ليس التنوع بل عسكرة السياسة.
وفي المقابل، من الظلم الادعاء بأن الكرد السوريين يرفضون الانتماء إلى سوريا. الغالبية الساحقة منهم تعتبر نفسها سورية، وتريد أن تشعر أن دمشق ليست عاصمة بعيدة أو خصمًا، بل دولة تحمي حقوقهم كما تحمي حقوق أهل حمص وحماة واللاذقية وطرطوس ودرعا والسويداء. المطالب الكردية التاريخية كانت واضحة: الاعتراف بالهوية واللغة، وحماية الثقافة، والمشاركة السياسية المتساوية. لكن لا يمكن تجاهل أن عقودًا من التهميش، وإسقاط الجنسية، ومنع اللغة، خلّفت خوفًا عميقًا وانعدام ثقة حقيقيًا. هذا الخوف مفهوم، لكنه لا يمكن أن يكون أساسًا لبناء كيان مسلّح دائم أو لتقسيم فعلي للبلاد، بل يجب أن يكون دافعًا لصياغة ضمانات دستورية صلبة تمنع تكرار الماضي في القامشلي كما في درعا، وفي عفرين كما في حمص.
الأحداث الأخيرة في حلب، وخصوصًا في أحياء الشيخ مقصود والأشرفية، أعادت التذكير بخطورة استمرار السلاح خارج إطار وطني موحّد. اتهامات متبادلة، تصعيد عسكري، قتلى وجرحى، نزوح عائلات إلى أحياء أكثر أمانًا داخل المدينة، ثم وساطات دولية تنتهي بتفاهمات مؤقتة وخروج مقاتلين ووقف هش لإطلاق النار. هذا المشهد ليس خاصًا بحلب وحدها؛ هو قابل للتكرار في منبج، أو على أطراف الرقة، أو في ريف دير الزور، أو في تل رفعت، طالما بقي السلاح منفصلًا عن الدولة، وطالما بقي الحل مؤجَّلًا.
من منظور الدولة السورية، وهو منظور تشاركه شريحة واسعة من السوريين في دمشق وحلب والحسكة والرقة، لا يمكن إعادة بناء بلد موحّد بوجود جيوش وإدارات موازية. ولا يمكن إطلاق إعادة إعمار حقيقية بينما تبقى موارد البلاد الأساسية، من نفط شرق دير الزور، إلى قمح الجزيرة، إلى مياه الفرات، خارج إطار وطني جامع في زمن الانهيار العام. هذا الواقع يخلق شعورًا عميقًا باللاعدالة، ويغذّي احتقانًا سياسيًا واجتماعيًا خطيرًا، حتى داخل الأوساط الكردية نفسها، حيث يدرك كثيرون في عامودا والدرباسية والقامشلي أن استمرار هذا المسار يجعلهم في مواجهة دائمة مع محيطهم الوطني.
في هذا السياق، يصبح من الضروري توضيح حقيقة العلاقة مع الولايات المتحدة من دون أوهام. الدعم الأمريكي لـ”قسد” لم يكن يومًا التزامًا أخلاقيًا دائمًا تجاه الكرد، ولم يكن مشروع تقسيم لسوريا، بل علاقة وظيفية مؤقتة تحكمها المصلحة. التاريخ القريب يبيّن أن هذا النوع من الدعم يتراجع أو يختفي عندما تتغيّر الأولويات أو تُعقد صفقات أكبر. لذلك فإن ربط مستقبل المكوّن الكردي السوري برهان خارجي مؤقت، أو بتحالفات عسكرية عابرة للحدود، هو رهان غير آمن، خاصة إذا ترافق مع ربط القرار العسكري بقوى خارجية مثل حزب العمال الكردستاني (PKK)، ما يضع كرد سوريا في قلب صراعات إقليمية لا تخدمهم، ويزيد من مخاوف الجوار، ويجعل مدنًا مثل عين العرب والقامشلي وعفرين ساحات صراع بدل أن تكون جسور تواصل.
ولكي لا يبقى الحديث نظريًا، تُظهر التجارب الدولية أن حماية الهوية داخل الدولة ممكنة وناجحة. شعوب كثيرة في إسبانيا وكندا وإيطاليا والهند وفنلندا تمتلك لغات وثقافات مختلفة، لكنها تعيش بكرامة داخل دولة واحدة، بفضل دساتير واضحة، ولامركزية إدارية، وجيش وطني واحد. لم تحتج تلك الشعوب إلى ميليشيات دائمة ولا إلى حماية خارجية، لأن الهوية كانت محمية بالقانون، لا بالسلاح. هذه النماذج تقول شيئًا بسيطًا يمكن فهمه في الرقة كما في القامشلي: حين تكون الدولة عادلة، تصبح الوحدة مصلحة للجميع.
من هنا، تبدو رسالة الدولة السورية إلى قيادة “قسد” وإلى إخوتنا الكرد رسالة واقعية ومنطقية: المستقبل الأكثر أمانًا للكرد، وللسوريين جميعًا، هو داخل دولة سورية مدنية واحدة، تعترف بالتعدد وتحميه دستوريًا، وتمنح إدارة محلية منتخبة بصلاحيات حقيقية في الحسكة والرقة ودير الزور ومنبج والقامشلي، ضمن إطار وطني جامع، وتفتح الباب أمام مشاركة كاملة في الجيش والأمن والبرلمان والمؤسسات السيادية، بحيث يشعر ابن عامودا وابن الرقة وابن حلب أنهم شركاء في القرار والمصير.
في النهاية، لا حل عسكريًا بعد اليوم. الحل الوحيد القابل للاستمرار هو مسار سياسي وطني يقوم على ضمانات دستورية راسخة، ولامركزية إدارية منضبطة ضمن الدولة السورية الموحدة، من دون أي مساس بهيبة الدولة أو بسيادتها السياسية الكاملة على كامل الجغرافيا السورية، وبما يرفض بشكل قاطع إنشاء كانتونات أو سلطات مستقلة، ويؤكد دمج جميع القوى المسلحة في جيش وطني واحد، وإنهاء حكم الميليشيات بلا استثناء.
إعادة بناء الثقة بين دمشق والقامشلي، وبين حلب والرقة، وبين دير الزور والحسكة، أصعب من إعادة بناء المدن المدمّرة، لكنها الشرط الوحيد للنجاة، ولتحويل التنوع السوري من مصدر خوف وصراع إلى مصدر قوة يشعر فيه العرب والكُرد معًا أن حل هذه القضية ليس عبئًا عليهم، بل مصلحة مشتركة لا بد منها لمستقبل سوريا كلها.
*محمد الهلال
أستاذ جامعي
اذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل/أرسلي تصحيحًا
إذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال ينتهك أيًا من المبادئ الأخلاقية أو المعايير المهنية قدم/قدمي شكوى








0 تعليق