عنب بلدي – محمد كاخي
انتهت جولة المفاوضات الخامسة بين سوريا وإسرائيل، في 7 من كانون الثاني الحالي، في باريس، بعد توقف دام قرابة شهرين. واتفق الطرفان على زيادة وتيرة المفاوضات، وعقد اجتماعات أكثر تواترًا، واتخاذ تدابير لبناء الثقة بين البلدين.
وأسفرت المفاوضات عن إنشاء خلية اتصال لتبادل معلومات استخباراتية بين البلدين، ووقف الأنشطة العسكرية لإسرائيل جنوبي سوريا.
وقال بيان مشترك أمريكي- إسرائيلي- سوري، في 7 من كانون الثاني، إن مسؤولين كبارًا من إسرائيل وسوريا التقوا في باريس، وأكدوا خلال اللقاء التزامهما بالتوصل لترتيبات دائمة لأمن واستقرار البلدين.
وصرّح مسؤول أمريكي لموقع “أكسيوس” بأنه خلال اجتماع باريس، اقترحت الولايات المتحدة إنشاء “خلية دمج” سورية- أمريكية- إسرائيلية مشتركة، في العاصمة الأردنية عمان، للإشراف على الوضع الأمني في جنوبي سوريا واستضافة المزيد من المحادثات حول نزع السلاح وانسحاب القوات الإسرائيلية.
وبحسب البيان المشترك، ستكون الخلية منصة تعالج أي خلافات بسرعة، كما يشير لقاء باريس إلى عزم سوريا وإسرائيل على فتح صفحة جديدة.
إسرائيل لا تريد الانسحاب
صرح المسؤولون الإسرائيليون في أكثر من مناسبة، أنهم لن ينسحبوا من النقاط الاستراتيجية في جبل الشيخ، التي سيطروا عليها بعد سقوط نظام الأسد في كانون الأول 2024، أحدثها تصريح وزير الدفاع الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، في 9 من كانون الثاني الحالي، بأن إسرائيل تسيطر على قمة جبل الشيخ والمنطقة الآمنة في عمق المناطق السورية، وتدافع عن الجولان والجليل ضد التهديدات.
وهو جزء من العقيدة الدفاعية الجديدة لإسرائيل بعد هجوم “7 أكتوبر”، إذ تريد إسرائيل أن يتضمن أي اتفاق مرتبط بغزة منطقة عازلة تمتد بعمق يقارب ثلاثة كيلومترات غرب الخط الأصفر الذي يفصل بين مناطق سيطرة إسرائيل والمواقع التي تعمل فيها حركة “حماس”، وتريد إسرائيل منطقة عازلة على طول الحدود مع لبنان، جنوب نهر الليطاني، وهو ما تريده مع سوريا أيضًا، لحماية أمن مواطنيها، بحسب تصريحات المسؤولين الإسرائيليين.
في المقابل، ترفض الحكومة السورية أي تفاهمات قبل انسحاب إسرائيل من المناطق التي احتلتها إسرائيل بعد سقوط النظام، أو ما سماه وزير الخارجية السوري، أسعد الشيباني، “خط 8 ديسمبر”.
وقال مسؤول سوري لوكالة “رويترز” بعد انتهاء المفاوضات، إنه لا يمكن الانتقال إلى أي ملفات استراتيجية في المحادثات مع إسرائيل دون جدول زمني واضح وملزم لخروج القوات الإسرائيلية من الأراضي السورية التي استولت عليها بعد سقوط النظام السابق في كانون الأول 2024.
ما التفاهمات التي توصل إليها الطرفان؟
يرى الباحث والمحلل السياسي أيمن الدسوقي، أن المطالب الرئيسة بين الطرفين لا تزال خلافية، باعتبارها قضايا سيادية مرتبطة بالحل النهائي، وغاية المفاوضات الحالية بين سوريا وإسرائيل الوصول إلى ترتيبات هجينة لإدارة الصراع، بمعنى ضبطه وتهدئته، وليس الوصول إلى اتفاق سلام أو تطبيع بين الجانبين.
ويرجح الدسوقي، في حديث إلى عنب بلدي، حدوث اختراق على صعيد ترتيبات وظيفية جزئية في المفاوضات القائمة، قد تمهد الباب للتوصل إلى اتفاق على قضايا الحل النهائي مستقبلًا، إلا أن الحديث عن اتفاق سلام أو تطبيع لا يزال مبكرًا.
ويرى الباحث في “المركز العربي لدراسات سوريا المعاصرة” نوار شعبان قباقيبو، أن القراءة التحليلية لمسار جولة باريس تشير إلى انتقال الملف السوري من حيز إدارة الصراع إلى مرحلة “التفاوض الاستراتيجي الاضطراري”، إذ يظهر الجمود في المطالب المعلنة حول جبل الشيخ والمناطق المحتلة بعد 8 من كانون الأول توجهًا لفرض واقع “الصفقة”، بعيدًا عن القرارات الدولية.
وتعكس التطورات الأخيرة، بحسب شعبان، رغبة في الانتقال نحو ما يسمى “الاندماج الوظيفي”، حيث يتم ربط استقرار الدولة السورية بضمانات أمنية قصوى لمصلحة إسرائيل، مما يعني أن الثمن الحقيقي للانسحاب الإسرائيلي المحتمل قد يكون تحويل العمق الجغرافي السوري إلى منطقة عازلة تؤمّن حدود “الاحتلال”، وهو ما يفسر الحديث عن “اختراق نوعي” رغم بقاء الخلافات الحدودية قائمة، إذ تم استبدال مفهوم استعادة السيادة الكاملة بمفاهيم “الواقعية السياسية” وضمانات الأمن المتبادل.
“السلام الاقتصادي”..
زلاجات عوض الأسلحة في الجنوب
تفترض نظرية “السلام الاقتصادي” وجود حل اقتصادي لمشكلة سياسية، وهو ما تحاول الولايات المتحدة تطبيقه في الجنوب السوري من خلال تحويل المنطقة العازلة إلى منطقة اقتصادية، حيث يُفترض أن تكون هذه المنطقة منزوعة السلاح ومليئة بمشاريع اقتصادية تعاونية، وليس بجنود إسرائيليين.
وبحسب ما تم إشهاره عبر وسائل الإعلام، فإن المقترح يشمل منتجعًا للتزلج، ومحطة لتوليد الطاقة عبر الرياح، وخط أنابيب نفط خام، ومراكز بيانات، ومنشآت دوائية، وهي مشاريع قد تضيف للاقتصاد السوري نحو أربعة مليارات دولار، أي ما يعادل زيادة تقارب 20% من الناتج المحلي، مع تعزيز القدرة الكهربائية بنحو 800 ميجاواط، وخلق 15 ألف فرصة عمل جديدة.
يرى الباحث في “المركز العربي لدراسات سوريا المعاصر” نوار شعبان قباقيبو، أن سوريا تواجه ضغوطًا للانخراط في معادلة “السلام الاقتصادي” التي تهدف إلى مقايضة الحقوق السيادية بالمشاريع الاستثمارية والرخاء، وهو ما يظهر في لغة البيان الثلاثي الذي ركز على “الازدهار” و”الفرص التجارية”.
أما أثر هذا المسار على الجنوب السوري، وفق شعبان، فإنه ينذر بتحويل المنطقة إلى “كانتونات” استثمارية ممولة إقليميًا تدار ذاتيًا بعيدًا عن سيادة السلطة المركزية، مما يخلق طبقة مصالح نفعية مرتبطة بديمومة الاتفاق مع إسرائيل أكثر من ارتباطها بالمشروع الوطني، وهو ما من شأنه أن يحول قضية “الأرض المحتلة” من ملف كرامة وطنية إلى ملف تجاري يخضع لمنطق الربح والخسارة.
من جهته، يرى الباحث والمحلل السياسي أيمن الدسوقي، أنه لا توجد تنازلات بعد من جانب الحكومة السورية في قضايا الحل النهائي مع “إسرائيل”، فما يُطرح ليس اتفاق سلام وليس تطبيعًا، وإنما ترتيبات وظيفية ذات غاية محددة، وتحاول سوريا تقليل المخاطر واستثمار الفرص لتحييد الدور الإسرائيلي المخرب، عبر استثمار الجو الإقليمي والانخراط الأمريكي للدخول في صيغ من التكامل الاقتصادي إقليميًا.
سؤال السيادة؟
اتفاق على تبادل معلومات استخبارية
تقوم سوريا وإسرائيل بحكم الآلية المشتركة التي اتفقتا عليها بالتنسيق الفوري والمباشر بين الأطراف، بغرض تبادل المعلومات الاستخبارية، ومنع سوء الفهم في الساحة الإقليمية، دون توضيح المزيد من التفاصيل.
ويعد الجهاز الاستخباراتي خط الدفاع السيادي الأول عن الأمن القومي ومصالح الدولة العليا، وتحويله إلى شريك معلوماتي مع إسرائيل يعني، بالضرورة، كشف الغطاء عن أسرار الدولة السورية، وقدراتها الدفاعية الكامنة، وتحركاتها الأمنية الداخلية، بحسب الباحث والمحلل السياسي نوار شعبان قباقيبو.
ويرى شعبان أن أثر هذه الخطوة على السيادة السورية يعتبر تدميريًا، إذ تؤدي إلى كشف أسرار الدولة وقدراتها الدفاعية الكامنة أمام إسرائيل، مما يفرغ الاستقلال من محتواه ويجعل دمشق عرضة للابتزاز الدائم.
ويرى الباحث أيمن الدسوقي، أن تبادل أي معلومات استخباراتية سيكون مرتبطًا بقضايا تهدد أمن كلا الطرفين من جهة، ويتم عبر آليات لأطراف ثالثة، وهذا بحسب الدسوقي يصون السيادة السورية من جهة ويوفر ضمانات لسورية من جهة ثانية.
بالرغم من الاتفاق على وقف الأنشطة العسكرية لإسرائيل في الجنوب السوري، فإن الجيش الإسرائيلي فجر مستشفى “الجولان القديم” (الحجر) داخل المدينة في 6 من كانون الثاني الحالي، وهو معلم أثري في المدينة.
وقام الجنود المتمركزون في قاعدة “الحميدية” بريف القنيطرة بإطلاق النار بشكل مباشر باتجاه منازل المدنيين في البلدة.
واحتجزت قوات من الجيش الإسرائيلي، في 8 من كانون الثاني، أربعة شبان على طريق جباتا الخشب- عين البيضة في ريف القنيطرة لمدة 16 ساعة تقريبًا.
وتتواصل التوغلات وعمليات التفتيش وإقامة الحواجز بين القرى منذ الاتفاق على وقف الأنشطة العسكرية.



0 تعليق