علي عيد
أعتقد أن كثيرًا من الصحفيين دفعوا على مر عقود أثمانًا باهظة، جراء خضوع الإعلام لرأي الأغلبية، وربما دفع غيرهم ذات الأثمان من السياسيين أو المحليين، لكن موقع الصحفي بطبيعة مهنته يبقى الأكثر حساسية، فهو مطالَب أخلاقيًا بدفع الحقيقة إلى الواجهة، بينما يحاول آخرون من الفاعلين دفعها إلى الوراء حين تتعارض مع مصالحهم.
ولأن ممولي الإعلام أو من يسيطرون عليه هم أصحاب الكلمة الأولى، فإن السياسات التي يتبنونها قد تتسبب بضرر كبير بالحقيقة، وغالبًا ما يكون الصحفيون الملتزمون بالمعايير المهنية في مواجهة مأزق أخلاقي ومادي بالوقت نفسه.
التزام الدفاع عن الحقيقة لم يعد متوفرًا في غالب الأحيان، خصوصًا ضمن المجتمعات التي يعصف بها الانقسام، وهذه مشكلة جديدة يدفع الصحفي ثمنها، فالجمهور يمكن أن يكون أحد ضحايا “الصمت الكامن” كما يمكن أن يكون أحد الفاعلين فيها.
اكتشفت أن الصحفيين باتوا ضحايا أطراف متعددة، بناء على ما لمسته خلال متابعاتي المهنية، ولن أضرب أمثلة من الصحافة الأجنبية والعابرة للحدود، على الرغم من أنها تعاني نفس المشكلة، ولتكن الأمثلة من واقع الصحافة والإعلام المحلي في سوريا.
خلال السنوات الماضية على الأقل، صمت الصحفيون عن كثير مما يجب أن يُكتب أو يُذاع، وأقصد العاملين في وسائل الإعلام السورية الحكومية، وحتى الخاصة، وهي في الغالب كانت تخضع لرقابة السلطة، مع تحسن استثنائي وملحوظ خلال العام الأخير، بعد سقوط نظام الأسد.
أُجبر الصحفيون على قول ما تريده السلطة، أو تجنبوا قول ما يحرج مجتمعاتهم، ووراء ذلك الخوف الأمني والاقتصادي، ومحاولة إرضاء بيئاتهم.
في أكثر من حالة عاينتها، تجنب صحفيون أعرفهم معالجة موضوعات قد يتسبب الكشف عن حقيقتها بإلحاق الأذى بأسرهم، أو بصورتهم ضمن مجتمعاتهم، وهذا لا يعني أن هناك غيرهم ممن منعتهم أسباب أخرى منها تعمّد التستر، لأنهم جزء من مجتمعاتهم، ويتأثرون بأفكار جماعات فكرية أو دينية أو إثنية، كما أنهم يخشون العزلة بأكثر من اتجاه، بينها العزلة المهنية مثل التوقيف عن العمل أو الطرد، والعزلة، والخوف من أن يصبح الصحفي مكروهًا في بيئته الاجتماعية، فقد ينتمي إلى أسرة لها توجهات سياسية أو دينية تمارس العزل بحقه عندما لا يتبنى أفكارها.
ما سبق، يضيف الصحفيين إلى ضحايا “دوامة الصمت” (spirale du silence)، وهي نظرية في الاتصال الجماهيري، وضعتها الباحثة في العلوم السياسة، الألمانية إليزابيث نويل نيومان.
تشير النظرية إلى أن الأفراد يخافون العزلة والاستبعاد بسبب آرائهم، ما يدفعهم لالتزام الصمت وتجنب التعبير عن الرأي، كما تشير إلى دور الإعلام في فرض “الهيمنة” على الأفكار.
تركز نظرية “دوامة الصمت” على عدة افتراضات هي:
- يهدد الخوف من العزلة الاجتماعية الأفراد، مما يجعلهم يتحفظون عن إبداء آرائهم ولا يعلنون عنها، لا سيما إذا أدركوا أن هذه الآراء لا تحظى بتأييد الآخرين.
- حاجة الأفراد إلى الانتماء تتفوق على إرادتهم ورغبتهم في التعبير عن آرائهم الحرة والمستقلة.
- يقوم كل فرد بمراقبة البيئة الاجتماعية وسلوكيات الآخرين، وعمل استطلاعات سريعة لمعرفة مدى التأييد أو المعارضة للرأي الذي يتبناه تجاه موضوع أو قضية ما.
- شعور الفرد بالانتماء إلى الأغلبية، يجعله أكثر ميلًا لإبداء وجهات نظره، والمشاركة بآرائه.
- يميل الفرد إلى التخاطب مع من يتفقون معه في الآراء أكثر من الذين يختلفون معه.
- الشعور بتقدير الذات يحث الفرد على إبداء رأيه.
- وسائل الإعلام من المصادر الرئيسة لنشر المعلومات، ونقل مناخ التأييد أو المعارضة.
- تميل وسائل الإعلام إلى التحيز في عرض الآراء، مما يؤدي إلى تشويه وتزييف الرأي العام.
- بعض الأفراد يدركون أن رأيهم يخالف رأي الأغلبية، ما يدفعهم لتغيير آرائهم وفق السائد في وسائل الإعلام، أو يؤثرون الصمت تجنبًا للضغوط الاجتماعية.
ظهرت أبحاث تتعلق بأثر وسائل التواصل الاجتماعي في نظرية “دوامة الصمت”، إذ وفرت منصات متعددة فرصة للناس للتعبير عن مواقفهم وآرائهم، لكن الملاحَظ أن هذا الفضاء غير المنضبط بات تحت تأثير قوى أكثر فوضوية، أهمها “مؤثرون سلبيون” لديهم قدرة على الوصول من وراء أعداد هائلة من المتابعين، ونرى مثل هذه الحالة في سوريا، دون التطرق إلى أسماء يعرفها الجمهور السوري جيدًا.
هل يشارك الصحفي في خلق “دوامة الصمت”؟ نعم يشارك بإرادته أو بالإكراه. هل يقع ضحية “دوامة الصمت”؟ نعم، وقد يضطر للمسايرة، وهناك القليل من الشجعان الذين يقررون المغادرة ودفع الثمن.
زميلي الصحفي:
إذا ارتكبت جماعتك التي تنتمي إليها انتهاكًا فإن واجبك المهني يفترض الكشف عن الانتهاك، أو تجنب التستر عليه في عملك المهني. في النهاية أنت تحمل صفة صحفي لا صفة عربي أو كردي أو يساري أو يميني. وعندما تعجز عن أداء المهمة جنّب نفسك التزييف واعتذر عن الانخراط فيه. وكن ضحية ضمن “دوامة الصمت” أفضل من أن تكون جزءًا من إدخال الجمهور فيها. وفي النهاية أنت بشر له رأي أو تؤثر فيه قضية أو انتماء أو مجتمع أو أسرة، الأهم ألا يدخل كل هؤلاء معك إلى غرفة التحرير.. وللحديث بقية.
اذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل/أرسلي تصحيحًا
إذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال ينتهك أيًا من المبادئ الأخلاقية أو المعايير المهنية قدم/قدمي شكوى



0 تعليق