خطيب بدلة
كانت الطائفية، في سوريا، سابقًا، تهمة ثقيلة، كل من يتهم بها، يسارع إلى نفيها عنه، وكأنها العر، أو الجرب، وحتى رفعت الأسد، الذي كانت التهمة أقرب إلى شخصيته، نفاها، بحسب ما روي عنه، وقال: أنا بكره الطائفية والسنة.
الطرفة نفسها رويت عن فواز الأسد، وهذا، على كل حال، ليس مهمًا، المهم أن الطائفية نزلت إلى ميدان التداول، مع بدايات الثورة، وبدأ الحديث عن “المظلومية السنية”، يطل برأسه إلى ساحة الشأن السوري، وحينما تشكل “المجلس الوطني”، جرى الحديث عن وجود مسيحيين فيه، وعلويين، ودروز، وشخصيات علمانية سنية، ولكن “الإخوان المسلمين”، والتنظيمات القريبة من “الإخوان” أيديولوجيًا، سيطروا عليه، ثم كان “الائتلاف”، سنة 2012، الأقل أخونة، ولكنهم سيطروا عليه.. وفي سنة 2014، طُرحت فكرة التوسعة، وإضافة أعضاء تغلب عليهم صفة الديمقراطيين، ولكن “الإخوان المسلمين”، ومَن في حكمهم، استعادوا السيطرة على “الائتلاف”، ما دفع بدأ الديمقراطيين للانسحاب، أواسط سنة 2016.
يجدر بي، هنا، أن أسارع إلى توضيح الالتباس الذي نقع فيه، عندما نطلق على المعارضين صفات مثل علماني، ويساري، وديمقراطي، وليبرالي، ففي بلادنا، تكون هذه الصفات مجازية، ولا سيما عندما يتعلق الأمر بالطائفية، فقد تبين لاحقًا، بعد 8 من كانون الأول 2024، أن غالبيتهم يمتلكون قابلية الارتداد إلى الطائفة، ولا سيما الذين ينحدرون من “السنة”، وهذا ينطلق، دون أي شك أو لبس، من فكرة المصلحة، فالمظلومية السنية التي افتعلتها الجماعات الإخوانية، خلال السنوات السابقة، انتهت، وانتقلوا من الدفاع إلى الهجوم، وصار الحكم، من هذه اللحظة، وحتى “يوم القيامة”، بيد السنة، وتعال بقى بص، وشوف، وتفرج، كيف راحوا يتهافتون ارتدادًا إلى طائفتهم، واستماتة في الدفاع عن سلطة الأمر الواقع، بعدما ألبسوها ثياب الثورة، وصاروا يؤلفون سرديات تقنعهم، دون غيرهم، وهي أن وصول “هيئة تحرير الشام” إلى السلطة، تتويج صريح لفكرة انتصار الثورة التي كانوا يمثلونها، خلال سنوات المعارضة.
يمكنك أن تحتج عليّ، الآن، وتقول لي إن معظم المعارضين، الذين تتحدث عنهم، الذين شغلوا مناصب في “المجلس الوطني”، و”الائتلاف”، و”هيئة التفاوض”، ومنصات التفاوض مع تركيا وإيران وروسيا، لم يشاركوا في الثورة، ومعظمهم كانوا يعيشون خارج سوريا.. وهذا، لعمري، كلام صحيح، فأولئك الأشخاص، في الأساس، مارسوا المعارضة على أنها “بزنس سياسي”، ولأن عقلية البزنس تسيطر عليهم، فقد كان سهلًا جدًا ارتدادهم إلى طائفتهم، وحتى المعارضين الذين ينتمون إلى أديان أو مذاهب أخرى، راحوا يتقربون من المعارضين السنة، ويوالونهم، وهنا، في هذه المرحلة، لم تعد الطائفية تهمة، فقد أصبحت سلوكًا علنيًا شائعًا، وقد رأينا، رأي العين، أطباء سوريين، بمرتبة بروفيسور، أمضوا ثلاثة أرباع حياتهم في الولايات المتحدة الأمريكية، أو في أوروبا، بلاد المواطنة، والقانون، والحقوق، يعلنون، بالأفواه الملآنة، أن الحق حصحص، أخيرًا، وعادت سوريا لهم، وإحداهن، وهي سيدة “سبور”، بدت وكأنها مختصة بعلم الإحصاء، وصارت تستعمل ضمير “نحن”، بدلًا من “أنا”، وقالت: نحن السنة نشكل 91% من شعب سوريا، ومن حقــنا أن نحكم سوريا إلى الأبد!
اذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل/أرسلي تصحيحًا
إذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال ينتهك أيًا من المبادئ الأخلاقية أو المعايير المهنية قدم/قدمي شكوى











0 تعليق