يحاول كتاب “سوريا ما قبل الثورة” للكاتب محمد منصور، تقديم قراءة تحليلية للواقع السوري في السنوات التي سبقت اندلاع الثورة عام 2011، من خلال تتبع البنية السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي حكمت البلاد خلال عقود، وتشكلت في ظلها علاقة السلطة بالمجتمع.
لا يتعامل الكتاب مع الثورة بوصفها حدثًا مفاجئًا أو طارئًا، بل يضعها في سياق طويل من التراكمات التي مهّدت لانفجارها.
ينطلق الكاتب الذي صدر عن “رياض الريس للكتب والنشر” عام 2018، من توصيف طبيعة النظام السياسي في سوريا، بوصفه نظامًا مغلقًا شديد المركزية، قائمًا على احتكار السلطة وتقييد المجال العام، حيث جرى إفراغ المؤسسات السياسية من دورها الفعلي، وتحويلها إلى أطر شكلية، مقابل تمدد الأجهزة الأمنية في مختلف تفاصيل الحياة العامة.
ويشير الكتاب إلى أن هذا النمط من الحكم أنتج حالة من الجمود السياسي، ومنع أي إمكانية حقيقية للإصلاح أو المشاركة.
في الجانب الاقتصادي، يتناول منصور التحولات التي شهدتها سوريا خلال العقد الأخير الذي سبق الثورة، ولا سيما ما عُرف بسياسات “الانفتاح” الاقتصادي، والتي لم تنعكس تحسنًا على حياة أغلبية السوريين، بل أسهمت في تعميق الفوارق الاجتماعية.
ويوضح الكتاب كيف أدت هذه السياسات إلى تركز الثروة بيد فئات محدودة مرتبطة بالسلطة، مقابل تراجع الطبقة الوسطى واتساع رقعة الفقر، خصوصًا في الأرياف والمناطق المهمشة.
كما يتوقف الكتاب عند التحولات الاجتماعية التي رافقت هذه المرحلة، حيث شهد المجتمع السوري تغيرات عميقة في بنيته، مع تصاعد البطالة بين الشباب، وضعف فرص التعليم والعمل، وتراجع الخدمات العامة، ما أسهم في شعور واسع بالإقصاء وانسداد الأفق.
ويرى الكاتب أن هذه العوامل مجتمعة خلقت فجوة متزايدة بين الدولة والمجتمع، وأضعفت الثقة بالمؤسسات الرسمية.
ولا يغفل منصور دور العامل الأمني في إدارة المجتمع، موضحًا كيف أسهمت القبضة الأمنية في كبح أي تعبير سياسي أو مدني مستقل، ومنع تشكل فضاء عام قادر على استيعاب الاحتقان الاجتماعي المتصاعد. ويشير إلى أن هذا القمع المنهجي لم يؤدِّ إلى الاستقرار، بل إلى تراكم الغضب الصامت، الذي لم يجد منفذًا للتعبير إلا مع لحظة الانفجار.
كما يتناول الكتاب دور النخب السياسية والثقافية، وحدود تأثيرها في ظل القيود المفروضة، إضافة إلى موقع الإعلام الرسمي الذي عكس رواية السلطة، وبقي منفصلًا عن الواقع اليومي للمجتمع. ويرى الكاتب أن غياب قنوات التواصل بين الدولة والمواطنين أسهم في تعميق القطيعة، وجعل أي صدمة سياسية أو اجتماعية قابلة للتحول إلى أزمة كبرى.
واعتبر الكتاب أن الثورة لم تكن حدثًا معزولًا، بل نتيجة مسار طويل من الاختلالات البنيوية في الحكم والاقتصاد والمجتمع.
مَن الكاتب
محمد منصور هو ناقد أدبي ومسرحي وصحفي سوري، من مواليد دمشق عام 1972، ويحمل إجازة في النقد والأدب المسرحي، وله مؤلفات في القصة القصيرة والتاريخ.
اذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل/أرسلي تصحيحًا
إذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال ينتهك أيًا من المبادئ الأخلاقية أو المعايير المهنية قدم/قدمي شكوى











0 تعليق