“خبراء” يعززون الانقسام.. كيف يتعامل الإعلام معهم

عنب بلدي 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

علي عيد

دعونا نرى هذا المشهد: “خبير” يقدّم “حتميات” دون تدقيق، جمهور متحمس ومنقسم، مذيع يساير أو محرر يترك للخبير قول ما يريد.. هل هذه خلطة وعي أم تعزيز للانقسام والتحريض؟

يسعى محللون و”خبراء” لا يلتزمون بمنهجية علمية، إلى استثمار الإعلام والصحافة باستخدام لغة أكاديمية تجانب المنطق أو الحقيقة.

وعندما لا يحصل ذلك يوجهون للإعلام سهام النقد، وسوريا واحدة من الأمثلة، إذ ينقسم الناس، ومنهم المهتمون بالتحليل السياسي، أو من يقدّمون أنفسهم كخبراء، ويقسمون معهم الإعلام، وقد تنجرّ غرف الأخبار تحت ضغط الجمهور، أو محاباة برامج الدعم، أو حتى ممالأة السلطة إلى تمرير آراء لأشخاص بشكل غير مدقق وغير متوازن.

في الأزمات السياسية، لا تكون المشكلة في نقص الخبراء، بل في فائض اليقين لدى بعضهم، وهنا تبدأ عقدة التوازن التحريري.

المواد التي تعتمد على آراء خبراء وباحثين تُفترض فيها البرودة التحليلية، لكن الواقع يبدو مختلفًا تحت ضغط العاطفة أو الانتماء أو المصالح، لأن الخبير ليس كائنًا معزولًا، بل ابن مجتمع، يحمل ذاكرة، وذو انحيازات واعية أو غير واعية.

في لحظات التوتر، يميل كثير من الخبراء والمحللين إلى الدفاع عن “جماعتهم” (الطائفة، المنطقة، الهوية، أو حتى السردية السياسية التي تشكّل وعيهم)، وغالبًا على حساب الدولة أو المجتمعات الأخرى.

الخلل لا يبدأ عند الخبير غير الملتزم بمنهج علمي، بل عند إدارة التحرير حين تفشل في إدارة هذا الميل، ومن مظاهر الخلل في غرف الأخبار تقديم الرأي المنحاز على أنه تحليل موضوعي، واستخدام توصيف “خبير” كدرع يمنع مساءلة الخطاب، وكذلك اختزال التعددية في تنويع الأسماء لا في تنويع الزوايا، وترك السياق السياسي والاجتماعي دون تفكيك، ليتحول التحليل إلى تبرير.

عندما تترك الأمور على هذا الحال، تتحول الصحافة والإعلام من وسيط معرفي إلى مضخم للانقسام، فما الدور المطلوب لإدارة التحرير، وكيف تمنع تحول الوسيلة الإعلامية إلى شركة علاقات عامة للخبراء، وتثبيت مهمتها كجهة تنظيم معرفي.

التوازن لا يعني أن يخرج الجميع “مبسوطين”، بل يقتضي فرض معايير مهنية صارمة منها:

الفصل الدقيق بين التحليل والموقف، إذ يجب أن يوضح المحتوى للجمهور متى يتحدث الخبير بلغة الوقائع، ومتى يعبر عن قراءة سياسية متأثرة بموقعه الاجتماعي أو الأيديولوجي، لأن الخلط بين الاثنين هو أخطر أشكال التضليل الناعم، وثمة ركائز لا غنى عنها مثل:

تقديم السياق قبل الاقتباس، وعدم اقتطاع رأي خبير دون وضعه في سياقه: من هو؟ ما خلفيته؟ ما موقعه من النزاع؟ وهذا ليس تشهيرًا، بل شفافية ضرورية في زمن الاستقطاب.

التوازن على أساس معرفي، فاستضافة خبيرين متضادين لا تصنع توازنًا تلقائيًا، والتوازن الحقيقي يتحقق حين تُعرض زوايا تفسير مختلفة للحدث نفسه (قانونية، سياسية، اجتماعية، تاريخية)، والرأي لا يُوازن برأي، بل بإطار أوسع للفهم.

التقديم والتحرير النقدي لا الإخراجي أو التبريري، ويجب عدم الاكتفاء بتلميع النص لغويًا لأن ذلك “تزييف مهني”، كذلك عدم ترك الضيف على الشاشة ليأخذ الجمهور إلى حيث يريد، ومن حق المحاور والمحرر، بل من واجبهما، أن يسألا الخبير، وإعادة صياغة الأسئلة، وتدقيق الادعاءات، ومنع التعميمات التي تُدين جماعات كاملة أو تُبرئ أخرى.

وأنصح زملائي الصحفيين، في إدارة التحرير وغرف الأخبار والبرامج التلفزيونية بـ:

  • الأخذ بعين الاعتبار أن الخبراء ليسوا محايدين بطبيعتهم، وشرح خلفياتهم دون تشهير، وصلتهم بالنزاع، والتعامل والتدقيق في آرائهم على أنها ليست حقائق مطلقة.
  • معالجة وتحرير التحليل السياسي كمنتج لا كنص مقدس، ومناقشة أي فكرة مع أخذ دور الخصم عندما يغيب.
  • عدم تمرير كل ما يقال بزعم “الحياد”، والتذكر دائمًا أن كل كلمة تبث أو تُنشر في الأزمات والمجتمعات الهشة، يمكن أن تسهم في تهدئة المجتمع أو تعميق الشرخ أو خلق شرخ جديد.
  • الدقة في اختيار الخبراء الضيوف، وشرح المعايير أمامهم، حتى لا يضيفوا الإعلام إلى قائمة المتهمين عندما لا يؤخذ بآرائهم، أو تُقدّم سياقات شارحة تمنع تمرير أفكار ورؤى منحازة دون تدقيق.
  • الابتعاد عن نقل توصيفات مثل “ضرورات أمنية” أو “رد فعل طبيعي”، دون تفكيك قانوني وأخلاقي.

المعالجة المنحازة في زمن الأزمات، وفشل الصحافة والإعلام في إدارة هذا الخلل، لهما ثمن مضاعف على الإعلام والمجتمع، أهم مظاهره:

  • تعميق الاستقطاب المجتمعي، وتحول المحتوى الإعلامي والبرامج إلى جزء من النزاع لا مرآة له، وتحول المنصة إلى ساحة اصطفاف.
  • نزع الشرعية عن مفهوم الدولة أو المجتمع، عبر تقديم العنف أو الفوضى بوصفهما “رد فعل مفهومًا”، دون مساءلة قانونية وأخلاقية، ما يقوّض أسس العيش المشترك.
  • فقدان الثقة بالإعلام والصحافة، لأن الجمهور ليس ساذجًا، وحين يلاحظ التحيز المتكرر، يعيد تصنيف الوسيلة: من مصدر معلومات إلى طرف سياسي.
  • تطبيع ونشر خطاب الإقصاء كأخطر مظهر للانحياز غير المنضبط، لأنه يُقدَّم بلغة هادئة، أكاديمية، ما يجعله أكثر قابلية للانتشار وأقل عرضة للمساءلة.

في النهاية:

الصحافة والإعلام في الأزمات مطالبان بموقف مهني واضح في التعامل مع أراء الخبراء، وحماية الحقيقة والبشر من التعميم والتحريض، ومنع التسييس والاستثمار والدعاية لأفكار تخدم توجهات الخبراء أو ميولهم..  وللحديث بقية.

اذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل/أرسلي تصحيحًا

إذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال ينتهك أيًا من المبادئ الأخلاقية أو المعايير المهنية قدم/قدمي شكوى

أخبار ذات صلة

0 تعليق