“سامز” تقدم رؤيتها لمستقبل القطاع الصحي في سوريا

عنب بلدي 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

عنب بلدي – كريستينا الشماس

لا يزال القطاع الطبي في سوريا يعاني من آثار سنوات طويلة من الإهمال والتحديات التي خلفها النظام السابق، إذ شهدت هذه المرحلة نقصًا في الموارد الطبية الأساسية، وضعفًا في البنية التحتية، وغياب استراتيجيات فعالة لتطوير الكوادر الصحية، ما ترك وزارة الصحة السورية الحالية أمام تحديات عدة من تقديم الرعاية الصحية للمواطنين، وإعادة بناء المستشفيات والمراكز الصحية المدمرة، وبالتالي برزت الحاجة الملحّة لتدخل منظمات ومبادرات داعمة تساعد الوزارة على النهوض بالقطاع الطبي وتعزيز قدراته.

وفي هذا السياق، برزت الجمعية الطبية السورية الأمريكية (سامز)، كمنظمة إغاثة طبية عالمية تعمل في الخطوط الأمامية للاستجابة للأزمات في سوريا وخارجها، تأسست بمبادرة من مجموعة من الأطباء السوريين المقيمين في الولايات المتحدة.

في بداياتها، لم تكن الجمعية ذات طابع إنساني أو إغاثي، بل قامت على فكرة ربط الأطباء السوريين في المهجر بوطنهم الأم، من خلال تنظيم مؤتمرات طبية صيفية في سوريا، وتقديم دورات تدريبية وتعليمية، إضافة إلى بعض المشاريع الصغيرة محدودة النطاق، إذ كان نشاط الجمعية آنذاك أكاديميًا بحتًا، دون أي مشاريع كبيرة أو تدخلات ميدانية، حيث كان التركيز منصبًا على عقد مؤتمر سنوي يستفيد منه الأطباء داخل سوريا، ممهدًا الطريق لاحقًا لتحويل الجمعية إلى مؤسسة إنسانية كبيرة تسهم في تعزيز القطاع الصحي السوري على نطاق أوسع.

طبيعة عمل “سامز” في سوريا

تحدث رئيس مجلس إدارة الجمعية الطبية السورية الأمريكية (سامز)، الدكتور عبد الفتاح الشعّار، لعنب بلدي، عن أن الجمعية تقدم اليوم خدمات طبية منقذة للحياة في مختلف أنحاء سوريا، تشمل الرعاية الإسعافية ورعاية الإصابات، وخدمات الأمومة، ووحدات العناية المركزة، وغسل الكلى، والصحة النفسية، وإدارة الأمراض المزمنة.

كما تنفذ الجمعية برامج طبية عالية التخصص، مثل علاج الأورام، وأمراض القلب، وزراعة القوقعة، والجراحات المتقدمة.

وأوضح الشعّار أنه خلال المرحلة الانتقالية، انتقلت أولويات الجمعية من الاستجابة الطارئة، إلى إعادة بناء النظام الصحي في سوريا، وشملت ما يلي:

  • تطوير مراكز تميّز في المدن الرئيسة.
  • توسيع التعليم الطبي وبرامج الإقامة وتدريب الكوادر الصحية.
  • تحديث المستشفيات وتعزيز البنية التحتية.
  • بناء نماذج مستدامة لتقديم الرعاية الصحية تخدم السوريين على المدى الطويل بعد انتهاء النزاع.

المشاريع المنجزة

دعمت “سامز” خلال العقد الماضي مئات المنشآت الطبية، وكان التركيز الأكبر في إدلب وريف حلب الشمالي، حيث كانت الاحتياجات الإنسانية في ذروتها، بحسب الدكتور عبد الفتاح الشعّار رئيس مجلس إدارة الجمعية الطبية السورية الأمريكية (سامز).

وقال الشعّار، إن الجمعية استطاعت أن تسهم بإنجاز مستشفيات كبرى، مثل مستشفى “باب الهوى” وغيره، وتقديم خدمات الجراحة والعناية المركزة، والتوليد والطوارئ، وأقامت خمسة مراكز وعيادات لعلاج الأورام في شمالي سوريا، إضافة إلى العمل على برامج زراعة القوقعة للأطفال المصابين بفقدان السمع في المنطقة، وإقامة عدة وحدات لغسل الكلى، وفرق طبية متنقلة، ودعم حملات التلقيح، وبرامج للصحة النفسية، فضلًا عن وجود مبادرات صحة مجتمعية وصلت إلى العائلات النازحة والقرى النائية.

ونوه الشعّار إلى أنه بعد تحرير سوريا، وسعت “سامز” عملياتها لتشمل جميع المحافظات السورية، عبر دعم شبكة واسعة من المنشآت الصحية على مستوى البلاد، وذلك بالتعاون مع وزارة الصحة، لتعزيز المستشفيات الحكومية وتمكينها من الاستمرار في خدمة الشعب السوري.

وتحدث الرئيس السابق للجمعية الطبية السورية الأمريكية (سامز)، الدكتور مفضل حمادة، لعنب بلدي، عن عمل الجمعية مع انطلاق الثورة السورية، إذ اتُخذ قرار استراتيجي بالتحول إلى العمل الإنساني، والتركيز على تقديم المساعدات الطبية للسوريين المتضررين في الغوطة، وحلب، وحمص، ومناطق الحصار.

هذا التحول مثّل، بحسب حمادة، نقطة تاريخية فاصلة في مسار “سامز”، حيث انتقلت من جمعية مجتمعية محدودة التأثير إلى مؤسسة إنسانية كبرى تعمل في ظروف الحرب.

وأوضح حمادة أن ميزانية الجمعية قبل الثورة لم تكن تتجاوز 750 ألف دولار سنويًا، لكنها ارتفعت خلال أربع سنوات فقط إلى أكثر من 60 مليون دولارًا سنويًا، نتيجة اتساع حجم العمل الإنساني، والدعم الشعبي الكبير.

وأشار إلى أن الجمعية فقدت 86 من كوادرها الطبية، بينهم أطباء قضوا نتيجة القصف المباشر أو الهجمات الكيماوية.

 

واقع طبي “متهالك”

قيّم الدكتور عبد الفتاح الشعّار، رئيس مجلس إدارة “سامز”، واقع القطاع الطبي في سوريا بعد سنوات من الحرب، إذ تعرضت المستشفيات والعيادات الطبية للقصف ولدمار شديد وواسع النطاق، كما فُقدت معدات طبية أساسية، وقتل أو اعتقل أو نزح آلاف العاملين في القطاع الصحي، وبالتالي أصبح النظام الصحي مجزأ ومثقلًا بالأعباء، ويعاني نقصًا مزمنًا في الموارد.

ونتيجة لذلك، بحسب الشعّار، يواجه السوريون اليوم فترات انتظار طويلة للجراحات والرعاية التخصصية، ووصولًا محدودًا لعلاج أمراض القلب والسرطان، وفجوات في إدارة الأمراض المزمنة، ووفيات يمكن تفاديها بين الأمهات والأطفال.

تتطلب عملية إعادة البناء مقاربة شاملة ومنهجية، تشمل إعادة تأهيل المستشفيات الرئيسة، والاستثمار العميق في التدريب والتعليم الطبي، وتعزيز شبكات الإحالة الطبية، وتحسين الحوكمة والرقابة، ودمج الحلول الرقمية لتحديث تقديم الرعاية الصحية.

عبد الفتاح الشعّار

رئيس مجلس إدارة الجمعية الطبية السورية الأمريكية

 

ما التحديات

أوضح الشعّار أن فرق “سامز” الطبية تعمل في سوريا ضمن بيئة شديدة التعقيد، تتسم بمخاطر أمنية نظرًا إلى الانتشار الجغرافي الواسع لبرامج المنظمة، ودورات تمويل غير مستقرة تؤثر على الخدمات الأساسية، ونقص في الأدوية والمستلزمات الطبية بسبب قيود الحدود وعدم الاستقرار الاقتصادي، ونقص الكوادر الصحية والإرهاق الشديد بين مقدمي الرعاية المحليين، وبنى تحتية قديمة أو متضررة تعوق تقديم الخدمات.

وتتعامل “سامز” مع هذه التحديات، بحسب الشعّار، من خلال:

  • تخطيط طوارئ قوي وتعدد مسارات الإمداد.
  • تمكين القيادات المحلية واعتماد اللامركزية في اتخاذ القرار.
  • بناء القدرات والتدريب المستمر.
  • شراكات تؤمّن الأدوية الأساسية والمعدات والتكنولوجيا.

وبعد سقوط النظام السابق، يرى الدكتور مفضل حمادة، الرئيس السابق لـ”سامز”، أن أبزر تحديين أمام الجمعية هما: الحاجة الهائلة في القطاع الصحي، حيث البنية التحتية شبه منهارة، وشح الموارد واستدامتها، في ظل تراجع التمويل الدولي والاعتماد المتزايد على التبرعات الفردية.

ونوه حمادة إلى أن أولوية “سامز” الأساسية اليوم هي التعليم والتدريب الطبي، معتبرًا أن ما يمكن أن تقدمه الجمعية للشعب السوري يتجسد في خبرة أطبائها، الذين يصفهم بأنهم من الأفضل عالميًا علميًا وأخلاقيًا وإنسانيًا.

عمل “سامز” في المناطق المدمرة

تعتمد “سامز” نماذج رعاية مرنة وقابلة للتكيف للوصول إلى المجتمعات المتضررة، وفقًا لرئيس مجلس إدارتها من خلال:

  • عيادات متنقلة تصل إلى القرى النائية ومخيمات النزوح.
  • منصات للعلاج عن بُعد تربط الأطباء السوريين باختصاصيين حول العالم.
  • منشآت مؤقتة ومكوّنة من وحدات جاهزة لإعادة تقديم الخدمات الأساسية.
  • مسارات إحالة إلى أقرب منشأة طبية عاملة.
  • تدريب عاملين صحيين مجتمعيين لدعم العائلات حتى في حال تدمير العيادات.

الدكتور مفضل حمادة، الرئيس السابق لـ”سامز”، نوه إلى أنه رغم أن العمل الإغاثي ليس ضمن صلب رؤية الجمعية طويلة الأمد، فإن شدة الحاجة دفعت “سامز” لتوجيه جزء كبير من جهودها نحو المناطق المدمرة والمخيمات.

وأعطى مثالًا محافظة دير الزور التي كانت تفتقر لأي مؤسسة طبية، ما دفع الجمعية لافتتاح ثلاثة مستشفيات، بينها مستشفى للأمومة والطفولة، إضافة إلى إنشاء أول مركز لعلاج السرطان في المحافظة، كما افتتحت الجمعية مراكز لأمراض القلب والسرطان في درعا، ومستشفى جديدًا في حلب.

دور المنظمات في إعادة بناء النظام الطبي

يرى الدكتور عبد الفتاح الشعّار، رئيس مجلس إدارة “سامز”، أن إعادة بناء الرعاية الصحية في سوريا يجب أن تكون جهدًا تعاونيًا متعدد المستويات:

  • تتولى المؤسسات السورية قيادة الرؤية وإعادة البناء على المدى الطويل.
  • يقدم الشركاء الدوليون التمويل والخبرة التقنية والدعم والمناصرة الدولية.
  • تضمن المنظمات المحلية غير الحكومية ثقة المجتمع، وسهولة الوصول، والتنفيذ الميداني.

واعتبر الشعّار أن “سامز” تلعب دورًا فريدًا كحلقة وصل، من خلال ربط الخبرات الطبية العالمية بالاحتياجات المحلية، وتقديم تجارب نماذج رعاية قابلة للتوسع في عدة محافظات، إضافة إلى المناصرة دوليًا لحماية وإعادة بناء النظام الصحي في سوريا، وقيادة مبادرات طبية وتعليمية مستدامة وذات أثر عالٍ على مستوى سوريا.

ووصف الدكتور مفضل حمادة، الرئيس السابق لـ”سامز”، العلاقة مع وزارة الصحة بأنها “جيدة لكن مختلفة الرؤية”، موضحًا أن الوزارة تركز على تقديم خدمات مجانية، بينما تنظر “سامز” إلى بناء بنية تحتية مستدامة، وتطوير التعليم.

واعتبر حمادة أن وزارة الصحة، بمفردها، لم تُحدث تأثيرًا ملموسًا خلال عام، بسبب محدودية الموارد وغياب الدعم الخارجي المباشر، مشيرًا إلى أن معظم التحسينات جاءت عبر المنظمات الإنسانية.

وحدد حمادة أولويات “عاجلة” يجب على وزارة الصحة العمل بها، أبرزها تأمين الأدوية، خاصة أدوية السرطان، وإعادة تأهيل المنشآت الطبية، والتركيز على الرعاية الصحية الأولية، وإعادة بناء المستشفيات والمدارس في المناطق المدمرة كخطوة أولى لعودة السكان.

مشاريع مستقبلية

تستثمر “سامز” في خططها المستقبلية، بحسب رئيس مجلس إدارتها عبد الفتاح الشعّار، حلولًا طويلة الأمد وتحويلية، لبناء نظام صحي مرن، ومتاح للجميع، وعالي الجودة، تشمل:

  • إنشاء مراكز تميّز مستدامة في المدن الكبرى، تركز على علاج الأورام، وأمراض القلب، والعناية المركزة، ورعاية الأم والوليد، وطب الأنف والأذن والحنجرة وزراعة القوقعة، وأمراض الجهاز الهضمي والتنظير المتقدم.
  • إعادة بناء وتحديث مستشفيات رئيسة، بما فيها منشآت محورية في دمشق.
  • تطوير الطب عن بُعد، والسجلات الصحية الرقمية، والابتكارات التشخيصية منخفضة التكلفة.
  • توسيع معهد “سامز” لتدريب الجيل القادم من الأطباء والممرضين والكفاءات الصحية المساندة في سوريا.

أخبار ذات صلة

0 تعليق