عنب بلدي – ركان الخضر
يشهد سجن “رومية” في لبنان أزمة إنسانية متفاقمة، وسط تردٍ في الخدمات، وغياب لأدنى مقومات الحياة، في ظل تحذير من كارثة إنسانية وشيكة داخل السجن، بسبب تسجيل عدة وفيات ناجمة عن انتشار واسع لمرض السل، بحسب ما نشرته صفحة “معتقلو الرأي السوريين في لبنان” على “فيسبوك”.
وأعلنت الصفحة، في 27 من كانون الأول 2025، عن وفاة السجينين محمود الحكيم وحمزة بلبيسي، بالإضافة إلى تسجيل 20 إصابة بأعراض متشابهة، ونقل أربعة سجناء بحالة حرجة.
ووصفت الوضع داخل السجن بما حدث خلال جائحة “كورونا”، لكن الأزمة الصحية الحالية تأتي “وسط اكتظاظ قاتل وإهمال فاضح”.
وأكدت “معتقلو الرأي السوريين في لبنان” أن الخطر يتضاعف نتيجة نقل السجناء في سيارات مغلقة بشكل جماعي، واختلاطهم عبر الحراس المتنقلين بين المباني دون أي إجراءات وقاية.
وقالت إن الوضع بالسجن أشبه بالقنبلة الصحية الموقوتة، محذرة من أن أي تأخير يعني ضحايا جددًا، محملة الجهات المعنية المسؤولية كاملة.
“تعذيب وقرارات مسيّسة”
قال المعتقل السوري في سجن “رومية”، “عمر” (اسم مستعار) لعنب بلدي، إن المعتقلين في السجن “يتعرضون لأبشع أنواع التعذيب، نتيجة تهم ملفقة بأعمال لم يرتكبوها”.
وأضاف أن المحكمة العسكرية اللبنانية تصدر قرارات مسيّسة لمصلحة “حزب الله” اللبناني، وبتقدير “عمر”، فإن أغلب اعترافات المتهمين تم انتزاعها تحت التعذيب.
وقال إن عدد معتقلي الرأي السياسيين في لبنان يبلغ قرابة 230 معتقلًا، بينما يبلغ عدد المعتقلين اللبنانيين 200، أغلبهم اعتقلوا بين عامي 2014 و2017، بحسب تقديراته.
وأضاف أن سجن “رومية” خلال عام 2025 شهد 44 حالة وفاة نتيجة الإهمال الطبي، ويوجد فيه 130 سجينًا يعانون من أمراض جلدية، بالإضافة إلى 40 حالة إصابة بمرض السل، و30 مصابًا بمرض مزمن.
وأكد “عمر” أن السجن يعاني من غياب الدواء والعلاج وكل مستلزمات الطبابة، مبينًا أن المعتقل الذي يصرخ من ألمه يتم نقله إلى السجن الانفرادي كعقوبة له.
حالات “مأساوية” والدولة عاجزة
قال مدير مركز “سيدرا للدراسات القانونية وشؤون المهاجرين”، محمد صبلوح، لعنب بلدي، إن المعتقلين السوريين في لبنان يعيشون حالات مأساوية، مشيرًا إلى أن الوضع الذي يعيشه المعتقل السوري كان صعبًا جدًا قبل الأزمة الاقتصادية في لبنان 2019، وازدادت سوءًا بعد الأزمة.
وأوضح صبلوح أن الدولة اللبنانية غير قادرة على تأمين الغذاء ومتطلبات الاستشفاء للسجناء، وهذا ما يفسر وفاة أكثر من 44 معتقلًا في 2025، مضيفًا أن معدل الوفيات وصل إلى حالتين أو ثلاث حالات في الأسبوع خلال الفترة الأخيرة.
وبيّن أن هذا الأمر لو حدث في أكثر الدول تخلفًا بالعالم، لأجبر الحكومة على التحرك، لكن المعتقلين السوريين يعيشون برفقة المعتقلين اللبنانيين في هذه الظروف المأساوية، في ظل غياب أي نية جدية لدى الحكومة أو المشرّع اللبناني لمعالجة أزمة السجون والمعتقلين السوريين داخلها.
ونوه صبلوح إلى أن المنظمات الحقوقية تقوم بتوثيق هذه الانتهاكات وسوء المعاملة التي يتعرض لها المعتقلون، وتبلغ المجتمع الدولي لتشكيل ضغط على الحكومة اللبنانية لتقديم أبسط مقومات العيش الكريم للسجناء، واحترام حقوقهم على أقل تقدير.
ومن أبرز اعمال التوثيق التي قامت بها المنظمات الحقوقية، بحسب صبلوح، إنتاج تقرير “كم تمنيت أن أموت”، مع منظمة العفو الدولية، بالإضافة إلى مواجهة الدولة اللبنانية العميقة التي عملت مع نظام الأسد بمستندات ووثائق تؤكد الانتهاكات والتعذيب في السجون اللبنانية.
وتسعى المنظمات الحقوقية، وفق صبلوح، بكل الوسائل لمعالجة هذه المآسي، من بينها تقديم مشاريع قانونية متعددة بالتعاون مع نواب لبنانيين لمعالجة هذه المشكلات، شملت تخفيض مدة العقوبة سنة سجنية لمرة واحدة، وإخلاء سبيل من مضى على اعتقاله عشر سنوات ممن لم تتم محاكمتهم، بالإضافة إلى ترحيل المعتقلين غير اللبنانيين بمشروع قانوني.
وأفاد المحامي اللبناني أن جميع هذه المشاريع تم تجاهلها، نتيجة عدم اهتمام المسؤولين اللبنانيين الذين يتعاملون مع السجناء “كمجرد أرقام للمتاجرة بهم مع المجتمع الدولي”، وتحصيل مساعدات من الاتحاد الأوروبي وغيره، دون صرفها على المعتقلين.
وأبدى صبلوح استعداد منظمته الحقوقية للقيام بأي إجراء للضغط على الحكومة اللبنانية في حال تم توكيلهم من قبل أهالي المعتقلين بذلك.
وأضاف أن لبنان بانتظار مراجعة دولية شاملة في 16 من كانون الثاني الحالي، مشيرًا إلى أن منظمة “سيدرا” الحقوقية قامت بتوضيح الانتهاكات في السجون اللبنانية للمجتمع الدولي.
وطالب صبلوح المجتمع الدولي بالاستفسار حول كيفية تعامل الحكومة اللبنانية مع المعتقلين، وممارسة الضغوط عليها من خلال التهديد بوقف المساعدات الدولية إلى حين قيام لبنان باحترام الإنسان والسجين الموجود داخل السجون وعدم المتاجرة به.
“شيطنة” المعتقلين
أكد مدير مركز “سيدرا للدراسات القانونية وشؤون المهاجرين”، محمد صبلوح، أن الأجهزة الأمنية اللبنانية والقضاء العسكري كانت تتعامل مع المعارضين لنظام الأسد على أنهم “إرهابيون”، الأمر الذي دفع هذه الأجهزة إلى فبركة مئات الملفات، و”شيطنة” المعتقلين بناء على موقفهم السياسي.
وأشار إلى أن لبنان ما زال يحاول معالجة الملف باتفاق قضائي “بطريقة غير سليمة”، مضيفًا أن المنظمات الحقوقية طالبت الدولة اللبنانية منذ تعيين الرئيس جوزيف عون، بتطبيق عدالة انتقالية حقيقية.
فالدولة اللبنانية مطالبة، وفق صبلوح، بالاعتراف بأخطاء المرحلة الماضية وجبر الضرر الذي لحق بالمعتقلين “المظلومين” من خلال عملية انتقالية حقيقية.
وعبّر مدير مركز “سيدرا” الحقوقي عن استغرابه من تغيير السياسة اللبنانية التي كانت تطالب قبل سقوط نظام الأسد بضرورة ترحيل المعتقلين السوريين، كونهم يشكلون 35% من السجناء في لبنان ولا تملك الحكومة اللبنانية القدرة على إطعامهم، مؤكدًا أن لبنان قام بترحيل بعضهم وتسليمهم إلى نظام الأسد الذي قام بإعدامهم.
واتهم صبلوح الحكومة اللبنانية باتباع معايير مزدوجة، مشيرًا إلى أن المنظمات الحقوقية تطالب الدولة اللبنانية بالأدلة التي تثبت حقيقة ادعاءاتها من أن المعتقلين السوريين متهمين بقتل جنود لبنانيين.
القضية تحتاج، وفق صبلوح، إلى حلين، يشملان تفعيل اتفاقية القضاء مع الدولة السورية، ومشروع قانون يحل مشكلة اكتظاظ السجون بالنسبة للمعتقلين السوريين واللبنانيين.
معتقلو الرأي نقطة الخلاف
قال الكاتب الصحفي والمحلل السياسي اللبناني الدكتور زياد علوش، لعنب بلدي، إن عدد الموقوفين السوريين في لبنان يقدّر بين 2200 و2600 بينهم حوالي 200 إلى 220 من معتقلي الرأي.
وأشار إلى أن معتقلي الرأي هم السبب الأساسي المعرقل للاتفاق بين سوريا ولبنان، مضيفًا أن زيارة الوفد القضائي اللبناني إلى دمشق، في 10 من كانون الأول 2025، لم تُحقق النتائج المرجوة فيما يتعلق بالتوصل إلى معاهدة قضائية جديدة تنظّم آلية تسليم السجناء السوريين الموقوفين في لبنان.
وأضاف علوش أن هناك تباينًا واسعًا في مقاربة الطرفين لبنود مشروع الاتفاقية، موضحًا أن هناك وجود رغبة سورية في استكمال محاكمة الموقوفين لديها، أو تنفيذ المحكومين لعقوباتهم داخل أراضيها.
وذكر نقطة اختلاف أخرى بين الطرفين تتمثل باقتصار مشروع الاتفاقية على المحكومين، دون من لا يزالون يخضعون للمحاكمة، لأن تسليم الموقوفين يحتاج إلى قانون يصدر عن مجلس النواب اللبناني، وهو غير متاح حاليًا.
وتتركز أبرز التحفظات السورية، بحسب علوش، على البند الأول من مشروع الاتفاقية الذي ينصّ على السماح للدولة المسلِّمة (لبنان) أن ترفض تسليم أي محكوم أو موقوف دون أن تقدّم تبريرًا وذلك لأسباب خاصة بها، الأمر الذي يعطي الدولة اللبنانية الحق بعدم تسليم أي سجين سوري، من دون أن يسألها أحد عن المسوغات القانونية لذلك.
ونوه علوش إلى أن البند الآخر الأكثر حساسية بالنسبة للسوريين، يتمحور حول المادة العاشرة، التي أرادها لبنان مطابقة للاتفاقية الموقعة بينه وبين باكستان.
وتنص هذه المادة، وفق علوش، على عدم أحقية الدولة المسلَّم إليها (سوريا) أن تمنح عفوًا لأي محكوم أو موقوف تتسلّمه من لبنان، في حين أن الاتفاقية مع باكستان لا تحرم الأخيرة حق منح العفو لمواطنيها الذين تستعيدهم من لبنان.
وأفاد علوش أن دمشق أبلغت الوفد اللبناني أنها لن تطلب استرداد أي شخص يثبت تورّطه في قتل جنود لبنانيين أو تنفيذ تفجيرات تسببت في سقوط مدنيين.
ووفق رأي المحلل السياسي اللبناني، فإن دمشق تعتبر أن المدخل الإلزامي لعلاقات سليمة وقوية بين البلدين تبدأ بحل نهائي لملف السجناء السوريين في لبنان، خصوصًا أن أغلب السوريين المحكومين أو الموقوفين بجرائم إرهابية كانوا في صفوف الثورة السورية، ويعود سبب اعتقالهم ومحاكمتهم في لبنان لخياراتهم السياسية.











0 تعليق