أهلا صديق البرنامج... نحن نسمعك

مكه 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
أهلا صديق البرنامج... نحن نسمعك, اليوم الثلاثاء 9 يونيو 2026 09:46 مساءً

في يوم واحد، وعلى طرق متباعدة، وبين زحام مشاوير لا علاقة لبعضها ببعض، تكرر الصوت ذاته في "راديو السيارة" ثلاث مرات. في برامج إذاعية مختلفة. لا يختلف في نبرته، ولا في طريقته، ولا حتى في مفرداته. في المرة الأولى مر الأمر عابرا، وفي الثانية بدأ الاستغراب، أما الثالثة فقد جاءت باعتراف صريح من المتصل نفسه، وكأنه يرفع يده قائلا: نعم، أنا هو. عندها فقط، لم يعد السؤال: هل أسمع الشخص نفسه؟ بل: من هذا الشخص؟ ولماذا يفعل ذلك؟

وهنا، تحديدا، تبدأ متعة الكتابة؛ حين يتحول موقف عابر في زحمة المشاوير إلى مادة إنسانية ثرية، قابلة للتأمل من أكثر من زاوية، دون استعجال حكم أو اختصار معنى.

الكتابة، بطبيعتها، لا تحب الأحكام الجاهزة. هي أقرب إلى الدوران حول الفكرة لا اقتحامها. وحين نكتب، لا نبحث عن الحكم، بل عن الدافع. لا يهم كثيرا ماذا قال بقدر ما يهم لماذا قال. وهذا المتصل المتكرر يمكن قراءته بأكثر من عدسة. قد يكون رجلا وحيدا، لا يجيد الجلوس مع نفسه طويلا، ولا يجد في يومه من يسأله "كيف الحال؟" فيلجأ إلى المذياع، لا ليقول رأيا، بل ليؤكد وجوده. الصوت حينها ليس ترفا، بل تعويض. والاتصال ليس مشاركة، بل محاولة بسيطة ليقول: أنا هنا. أسمعكم، فاسمعوني.

ومن زاوية أخرى، قد يكون المتصل مثقفا تراكمت في رأسه الأفكار حتى ضاقت بها المساحات. قارئ نهم، متابع، متأمل، لكن بلا جمهور صغير يشاركه دهشته أو اعتراضه. فيختار الإذاعة لأنها لا تطلب إذنا طويلا، ولا تسأل عن الألقاب. تمنحه دقيقة من الهواء، يفرغ فيها شيئا من ثقله الداخلي. هنا، يصبح الاتصال نوعا من التنفيس المعرفي، لا حبا في الظهور، بل خوفا من أن تموت الفكرة بصمت.

وهناك احتمال أقل شاعرية، لكنه واقعي: أن يكون المتصل ثرثارا، يرى نفسه خبيرا في كل شيء، ويرى في كل موضوع فرصة لإثبات حضوره، ويجد في الصمت نقصا لا يحتمله. يتحدث عن كل شيء، ويفتي في كل شأن، ويقفز بين المواضيع بثقة عالية. لكن حتى هذا النموذج، حين ينظر إليه بهدوء، لا يبدو مستحقا للسخرية القاسية. فالإفراط في الكلام غالبا محاولة غير واعية لتعويض نقص أعمق: نقص في الاستماع، أو في الاعتراف، أو في الشعور بالقيمة.

المثير في هذه القصة ليس هو، بل نحن. قدرتنا على التعايش مع الأصوات المختلفة، مع من يكرر نفسه، ومع من لا يشبهنا. الحياة ليست حفلة انتقائية نختار ضيوفها بعناية، بل شارع طويل تمر فيه شخصيات متنوعة، بعضها عابر، وبعضها يترك أثرا غريبا لا ينسى. وهذا الصوت الإذاعي، رغم تكراره، يضيف شيئا من العفوية، ويكسر رتابة البث المعلب، ويذكرنا بأن خلف كل مكالمة إنسانا حقيقيا، لا فقرة معدة. وأن خلف كل صوت قصة، وخلف كل عادة سببا، وخلف كل تكرار حاجة لم تشبع بعد.

وفي الختام، لا يهم كثيرا إن كان صديق البرنامج وحيدا بائسا، أو مثقفا مكبوتا، أو مدعي فهم ثرثارا. المهم أنه يشارك في المشهد، ويملأ فراغا صغيرا في يوم طويل. وجوده ليس عبئا، بل لمسة إنسانية خفيفة، تذكرنا بأن الحياة لا تدار بالكمال، بل بالاختلاف. وأن الأنس أحيانا يأتي من أصوات لا نعرف أصحابها، لكنها تصل إلينا في لحظة مناسبة، ونحن نقود، ونفكر، ونبتسم دون سبب واضح. وربما... هذا كل ما نحتاجه.

أخبار ذات صلة

0 تعليق