التطبيع الشيطاني

مكه 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
التطبيع الشيطاني, اليوم الأحد 31 مايو 2026 09:01 مساءً

لم تكسب واشنطن، ولا تل أبيب ولا طهران، من حرب أحرقت الحرث والنسل. لا نهاية تلوح في الأفق. المواجهة فيما يبدو تتجه لمزيد من التصعيد والتعقيد، وارتفاع سقف التخبط السياسي الذي أصبح عنوانا للمشهد.

يؤمن سيد البيت الأبيض بأن المعادلة صعبة وشائكة، وأن حربه لم تجن أيا من ثمارها، سواء التي رسمها جنرالات الحرب في واشنطن، أو في تل أبيب. لم تنتصر الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل، ولم تهزم أو تستلم الجمهورية الإسلامية الإيرانية.

جرت العادة أن للحروب أهدافا عديدة: عسكرية؛ وسياسية. إذا لم تتحقق، عليها مواجهة غضب الشعوب ومقصلة التاريخ، الأخيرة لا ترحم أحدا.

الواضح أن مخرجات المواجهة العسكرية غير المتكافئة، واستنزفت لقيامها مليارات الدولارات، لا تكفي، ولا تعادل موازين القوى.

السؤال المنطقي: ماذا جنت أمريكا وإسرائيل بعد أشهر من ممارسة اللعب مع الحديد والنار؟ لا شيء. ما الدليل؟ عدم تحقيق الأساطيل و البارجات الأمريكية، للحد الأدنى من فرض سيطرتها على مضيق هرمز. السؤال المقابل: ماذا استفادت إيران؟ مزيدا من توغل الحرس الثوري، وفرض سطوته على الدولة.

هذه المحصلة بزعمي؛ أدت لتطابق رأي لدى صناع القرار في البيت الأبيض، خصوصا من يسمون بـ(الصقور)، وما يعرف بـ(الدولة العميقة)، بأن الحرب ما لم تكن فاشلة، أو غير محسوبة، فهي خاسرة بكل المقاييس.

لذلك يبحث الجميع عن مخرج، يبعد الإدارة الأمريكية عن مواجهة الحرج أمام الرأي العام الأمريكي، الذي لا يحابي ولا يجيد لغة المجاملات، باعتبار أنه يرى أن كلفة تلك الحرب، دفعت من قوت المواطن، الذي يعاني من تضخم في أسعار السلع، والوقود، وارتفاع في تكاليف الرعاية الصحية والتأمين الطبي.

ثم إن الانقسامات الحادة بين أعضاء الحزبين الجمهوري الحاكم، والديموقراطي، نظير رفض مفهوم العسكرة، تلعب دورا لا يستهان به في تأجيج الشارع الأمريكي ضد إدارته الحالية.

وذلك ما تشير له نتائج استطلاعات الرأي، التي تؤكد معارضة الديموقراطيين لأي عمل عسكري، بينما يحظى هذا النهج بدعم واسع، بين المشرعين والناخبين الجمهوريين. حتى إن هناك أزمات برزت بين الأخيرين - أي الجمهوريين - أنفسهم؛ ففي حين يدعم البعض سياسة الردع، يتخوف آخرون من تداعيات الحرب، خاصة مع توجه إدارة الرئيس ترامب مؤخرا، نحو مسارات تفاوضية مع طهران، الأمر الذي قوبل بشكوك من بعض الصقور داخل الحزب.

أتصور أنه من خلال فهم تلك الصراعات في دهاليز السياسة الأمريكية، يمكن تفسير لماذا لجأ دونالد ترامب لأمرين. ما هما؟ الأول: تهديد سلطنة عمان وفقا لتعبيره بـ«التفجير»، ما إذا حاولت مسقط فرض رسوم على السفن العابرة لمضيق هرمز. بالمناسبة حديث ترامب ذلك، كان خلال اجتماع لمجلس وزراء إدارته، وليس كما عهد عنه إبداء آرائه خلال مواقع التواصل الاجتماعي. وهذا له معان تفترض القصد، ولا تحتمل التأويل أو زلة اللسان.

المهم أن عُمان في الحقيقة لم تكن يوما منتهجة لسياسة الابتزاز أو البحث عن فرص مبنية على دماء الآخرين. ثم إن الخط السياسي العماني كما هو معروف، يمتاز بالحصافة والاتزان، ناهيك عن أنها دولة تعد حليفا تاريخيا للولايات المتحدة الأمريكية، وقدمت مرارا خدمات جليلة، آخرها دخولها كوسيط لتقريب وجهات النظر مع طهران، قبل اندلاع حرب فبراير الماضي.

الثاني: محاولة فرض التطبيع مع إسرائيل على دول المنطقة، لا سيما المملكة العربية السعودية. وذا برأيي يحقق تغطية على الفشل الأمريكي، والإسرائيلي في كسر شوكة إيران. فممارسة الضغط بالتوقيع على اتفاقية أبراهام، أو بقاء الحرب مفتوحة، هي خطة لابتزاز الرياض، التي تجتهد لإخماد النيران في المنطقة الملتهبة.

على هذا الأساس خرج مصدر مسؤول سعودي في تصريحات لشبكة سي إن إن الأمريكية، ليؤكد مجددا، أن التطبيع مع إسرائيل لا يمكن أن يحدث، دون قيام دولة فلسطينية.

لماذا لم يكن الرد على ذلك صادرا عن وزارة الخارجية السعودية؟ وفق فهمي؛ حتى لا يمنح أكبر من حجمه. فإدارة ترامب منذ فترته الأولى، تلقت رأي المملكة في مسألة التطبيع، وتفاعل الدولة رسميا بهذا الشكل، يمنح اهتماما أكبر لقضية محسومة وتم تجاوزها، وليست موجودة في قواميس صناع القرار بالمملكة.

يعتقد دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو، أن توقيع المملكة على اتفاقية تطبيع مع إسرائيل، ستؤدي لصرف النظر عن خسارة حروبهم، وبالتالي، سيخرجان بمظهر المنتصر، من الاقتتال مع إيران.

يجهل أولئك أو يتجاهلون عنوة، بأن السعودية يستحيل أن تؤدي دورا وظيفيا، يحقق تطلعات كيان مغتصب لأراض عربية شرعية، تحظى باعتراف أكثر من نصف الأرض.

إن فكرة ربط الملفات التفاوضية الأمريكية مع إيران، بفرضيات سياسية تعيد رسم خرائط المنطقة من جديد، وتمنح إسرائيل مزيدا من النفوذ، لم ولن ينطلي على السعودية، التي تبني قراراتها الاستراتيجية على مفاهيم تاريخية، رسمها الآباء والأجداد، وينفذها الأحفاد، ولا يمكن الحياد عنها مهما كلف الأمر.

أستطيع القول أخيرا بكل ثقة؛ لن تقتطع الرياض لنتنياهو كعكة الانتصار. ولن تمنح ترامب فرصة الخروج من مستنقع عنترياته ومغامراته.. بالتطبيع الشيطاني.

أخبار ذات صلة

0 تعليق