السعودية وهندسة صفقات السلام

مكه 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
السعودية وهندسة صفقات السلام, اليوم السبت 18 أبريل 2026 08:37 مساءً

الأمل يلوح في الأفق. يتضح أن الحق عاد أخيرا إلى جادة الصواب. ضل الكثير من أبناء العالم العربي طريقهم لعقود من الزمان. انقادوا وراء العنتريات العابرة للقارات. بنهاية المطاف أيقن الجميع أن التشنج الطائفي وانفلات السلاح لا يصنعان الأوطان.

ارتفع مؤخرا شعار «وحدة الساحات»، وهو عنوان استراتيجية تتبناها إيران لجمع ما يسمى «محور المقاومة». ضمن بنودها، الاعتداء على أي من أطرف من الأذرع الإيرانية في لبنان وغزة واليمن وسوريا والعراق، هو اعتداء على الجميع.

والحقيقة أن ذلك الارتباط إن جاز وصفه كذلك، غير مشروع. كيف؟ لأنه يعزز التمرد والخروج عن القانون، ويمنح تلك الجماعات فرصة للانقلاب على دولها، كما ما يحدث في لبنان على يد حزب الله، والعراق عبر ميليشيات الحشد الشعبي في العراق، وحركة حماس في غزة. بالنسبة لسوريا، فقد سقطت من حسابات المحور، بهروب بشار الأسد وأركان نظامه.

إنما طالما الحديث يدور حول «المقاومة»، فتقليب أوراق الملف اللبناني جدير بهذا التوقيت تحديدا، نظير وجود حزب الله، أهم أذرع إيران في المنطقة. السؤال: ما نتائج ممارساته على البلاد والعباد طوال السنين الفائتة؟ الجواب، أولا: تغييب مفهوم الدولة. ثانيا: تعزيز حالة من العداء والشتات والفرقة الاجتماعية داخل لبنان، وانقسام أبناء الوطن الواحد إلى فسطاطين، عنوانه مع أو ضد. ثالثا: هروب المقدرات المالية سواء المحلية أو القادمة من الخارج. رابعا: مزيد من هجرة اللبنانيين. خامسا: تدني مؤشرات الثقة العالمية من جوانب سياسية واقتصادية، بل حتى صحية وتعليمية.

أتصور أن ارتهان الحزب للأجندة الإيرانية، واندفاعه لإحكام قبضته على مفاصل الدولة بقوة السلاح السائب، وافتعال المغامرات غير المحسوبة مع إسرائيل، والمشاركة بالنزاعات الإقليمية، كدخوله في الصراع السوري وقتل وتشريد مئات آلاف السوريين، تسببت بتشكيل ريبة وتوجس إقليمي ودولي، حول تلك البقعة الصغيرة من الوطن العربي.

صحيح أن رجال الدولة الجدد حاولوا استعادتها وتصحيح مسارها إلى حد ما للطريق الصحيح - كما يبدو ظاهريا - ، لكن معضلة سلاح الحزب بقيت ولا زالت، المشكلة الكبرى.

أعتقد ثمة ما يجب الإشارة إليه في خضم الأحداث التي شهدتها المنطقة. مثل ماذا؟ برأيي، إن الميليشيات المنخرطة بالأجندة الإيرانية أيقنت بإرادتها أو رغما عنها، أنها ستكون تحت طائلة الحساب الذي لا يرحم ولا يبقي ولا يذر. نتيجة استشعارها أن طهران لم تعد ترغب بالتمسك بها، بل إنها أصبحت عبئا، يتجسد بوضعها في قوائم الشروط الأمريكية، لإيقاف حملتها العسكرية ضدها.

هذا الاستنتاج، يفهم من قبولها - أي إيران - بالتنازل عن برنامجها النووي إن صحت المعلومات القادمة من واشنطن، الذي نافحت عقودا من أجله، وجعلته ضمن أسس عقيدتها السياسية والعسكرية، وبالتالي من الطبيعي أن يكون المحسوبون عليها أوراقا ما لم تحترق آنيا أو قريبا، فطريقها للمحرقة لا محالة.

على كل حال؛ يهمني النظر للدور السعودي، الساعي لإخماد الحرائق. كيف؟ الرياض بزعمي يحسب لها الدور الكبير بوقف إطلاق النار في لبنان. هذا ما أشار له الرئيس اللبناني جوزيف عون، الذي شكر المملكة وولي العهد، على الجهود «الحكيمة والمتوازنة» للوصول إلى هذا القرار. إضافة إلى ساسة لبنان، الذين قدروا الحراك السياسي السعودي، وتجنيب بلادهم مزيدا من العنف الإسرائيلي؛ بصرف النظر عن جعجعة حزب الله، التي تشي بانتظاره النهاية الموعودة، بعد انكفاء الراعي الإيراني وخضوعه للشروط الأمريكية، وتنازله عن كل شيء، مقابل البقاء.

يمكنني الجزم بأنه حتى الدور الذي قامت به باكستان مؤخرا، التي زار رئيس وزرائها محمد شهباز شريف المملكة قبل أيام، لم يكن بعيدا عن الرأي السياسي السعودي. فقد مارست إسلام أباد دورا سياسيا هاما، وحققت اختراقا دبلوماسيا في هذا الملف المعقد، خلص إلى جمع الأطراف المتخاصمة على طاولة واحدة، بعيدا عن فشل أو نجاح المفاوضات. مجرد جلوس المتنافرين مع بعضهم بعضا، يعد نجاحا يكتب لها في سجلات التاريخ.

إن إبعاد المنطقة عن شبح تصعيد الحرب، مرتبط بالدرجة الأولى بالحكمة السعودية، التي آثرت تطبيق الصبر الاستراتيجي، على قصفها بالمسيرات والصواريخ الإيرانية الغادرة، وتغافلت عن جرها لحرب لا علاقة لها بها لا من قريب أو بعيد.

أستطيع الاستدلال على هذه الرواية، بتقرير نشرته صحيفة «تليجراف البريطانية»، قبل أيام، رأت فيه «أن الرد السعودي على الهجمات الإيرانية مثال يحتذى به في الدبلوماسية. فقد احتفظت الرياض بحق الرد في حال استمرار الهجمات، الأمر الذي طمأن الشعب. وحمّلت الولايات المتحدة وإسرائيل مسؤولية بدء الصراع، ما أبقى العالم الإسلامي إلى جانبها».

تضيف الصحيفة «السعوديون لم يشاركوا في عملية الغضب الملحمي. لكن يبدو أنهم يخرجون منتصرين بوضوح. ستصبح السعودية مركزا للسياحة والتكنولوجيا والتمويل والخدمات اللوجستية. أي دراسة موضوعية للحرب حتى الآن، تظهر أن لدى ولي العهد الأمير محمد بن سلمان؛ الكثير مما يدعو للفخر».

أزيد عليه، تلك عقيدة سياسية سعودية معتمدة منذ الأزل، بعيدا عن الأضواء، خلف الأبواب المغلقة.. لهندسة صفقات السلام.

أخبار ذات صلة

0 تعليق