نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
لمن صدعوا رؤوسنا بإيران في العالم العربي والاسلامي!, اليوم الأربعاء 8 أبريل 2026 11:37 مساءً
ما زال بعض المأخوذين بالدعاية الإيرانية، أو من يمكن وصفهم بـ»المتأيرنين» على منصات التواصل والقنوات التلفزيونية، يكررون علينا الأسطوانة نفسها كلما اشتعلت أزمة أو حرب في المنطقة. يرددون بأنه يجب دعم إيران لأنها محسوبة على العالم الإسلامي! وكأن مجرد رفع الشعارات كاف لمسح سجل طويل وغير مشرف من السياسات الطائفية، والتدخلات التخريبية، والتحالفات المصلحية التي لم تبن يوما على رابطة الإسلام، ولا على وحدة الأمة، ولا على سلامة دولها وشعوبها.
هذه السذاجة في الطرح ليست مزعجة فقط، بل خطيرة أيضا؛ لأنها تحاول أن تلبس المشروع الإيراني ثوبا إسلاميا عاما، بينما الوقائع التاريخية والسياسية تقول شيئا مختلفا تماما. إيران تتحرك بمنطق الدولة التوسعية الباحثة عن النفوذ، لا بمنطق الدولة الحريصة على استقرار العالم الإسلامي ووحدته. وهذا ليس تحليلا انفعاليا، بل تؤيده وقائع موثقة من تاريخ المنطقة الحديث.
خذوا مثالا واضحا من الحرب العراقية الإيرانية. ففي الوقت الذي يراد لنا اليوم أن نصدق أن إيران كانت تخوض معاركها بدافع «القضايا الكبرى» و»المبادئ الإسلامية» ضد إسرائيل والولايات المتحدة، تكشف المصادر التاريخية أن إسرائيل كانت من بين الجهات التي زودت إيران بالسلاح وقطع الغيار خلال تلك الحرب، كما جاءت لاحقا فضيحة إيران - كونترا لتؤكد وجود صفقات سلاح سرية بين طهران وتل أبيب في الثمانينيات.
إيران التي يصورها بعض العرب بأنها عدو إسرائيل هي من كانت تسعى لإضعاف العراق بأي وسيلة وقدمت التسهيلات لتدمير المفاعل النووي العراقي في عام 1981م على يد الطيران الإسرائيلي. هذا وحده كاف لنسف الصورة الرومانسية التي يحاول البعض تسويقها عن إيران «كمحور مقاوم» ثابت لا يعرف إلا العداء لإسرائيل. السياسة الإيرانية، ببساطة، عرفت كيف ترفع الشعارات في العلن وتدير الصفقات في الخفاء عندما تخدمها المصلحة.
ثم نسأل المتأيرنين العرب، أليست إيران نفسها هي التي استفادت استراتيجيا من إسقاط نظام صدام حسين في العراق؟ العديد من الدراسات والتحليلات الصادرة من مراكز الأبحاث الدولية المعتبرة ذهبت إلى أن الاحتلال الأمريكي للعراق فتح الباب واسعا أمام تمدد النفوذ الإيراني داخل الدولة العراقية، عبر حلفاء سياسيين، وميليشيات، وشبكات نفوذ معقدة. بعبارة أخرى، النظام الإيراني تمكن من إضعاف العراق العربي، وقلب توازنات المنطقة، وهذا كله انتهى إلى خدمة إيران لا إلى إضعافها عبر مؤيديها في الداخل العراقي. فكيف يريدون منا بعد ذلك أن نتعامل مع طهران كدولة تسعى لاستقرار العالم العربي والإسلامي؟
ولننتقل إلى أفغانستان. فإيران التي يريد البعض تصويرها كقوة «ممانعة» ضد إسرائيل والولايات المتحدة على طول الخط، تعاونت تكتيكيا مع الولايات المتحدة بشكل واضح في مرحلة إسقاط طالبان عام 2001، ولعبت دورا هاما في مؤتمر بون لتشكيل النظام السياسي الجديد بعد سقوط الحركة. معنى ذلك أن إيران لم تجد أي حرج في التعاون مع واشنطن، التي تسوق للسذج بأنها عدوتها الأولى عندما رأت أن ذلك يحقق لها مكاسب سياسية وأمنية على حدودها الشرقية. فأين ذهبت إذاً لغة «العداء المطلق» للولايات المتحدة التي يراد بيعها للجماهير كلما احتاجت طهران إلى تعبئة عاطفية جديدة؟
أما في الخليج العربي، فالصورة أوضح من أن تحتاج إلى كثير شرح.
فالبحرين الشقيقة لم تكن في نظر المشروع الإيراني دولة مستقلة يجب احترام سيادتها، بل ساحة مستهدفة بمحاولات متكررة لزعزعة استقرارها والتدخل في شأنها الداخلي، عبر جماعات وكيانات ارتبط اسمها بالدعم الإيراني واستهدفت أمن الدولة ومؤسساتها. ولم يتوقف الأمر عند البحرين؛ ففي المملكة العربية السعودية شهد موسم الحج عدة مرات في الثمانينيات توترات دامية كشفت خطورة تسييس الشعائر ومحاولة تحويلها إلى منصات صراع وفوضى، غير أن حزم الدولة السعودية أفشل تلك المحاولات وحمى بفضل الله ثم بيقظة الأمن السعودي أمن البلاد وقدسية المشاعر. وفي الكويت الشقيقة، لا ينسى التاريخ محاولة اغتيال الأمير الشيخ جابر الأحمد رحمه الله عام 1985 على يد عناصر من تنظيمات موالية لإيران، هذا غير الخلايا النائمة مثل خلية العبدلي وتهديدها الخطير لأمن دولة الكويت الشقيقة. ثم إذا تجاوزنا الخليج إلى المشرق العربي بشكل عام، رأينا كيف تمدد النفوذ الإيراني عبر الميليشيات في العراق وسوريا ولبنان واليمن، لا لبناء دول مستقرة، بل لإضعاف الدولة الوطنية، وتمزيق المجتمعات، وتغذية الانقسام والصراع. فهل يبقى بعد كل ذلك مجال لتصديق من يزعم أن إيران تحمل مشروعا جامعا للعالم الإسلامي؟ أم أن الحقيقة الأوضح هي أنها تحمل مشروع نفوذ توسعي يخدم رؤيتها الأيديولوجية ومصالحها السياسية أولا وأخيرا؟
المشكلة في الخطاب المتأيرن أنه يتعمد القفز فوق كل هذه الوقائع، ثم يطلب منا أن نحاكم إيران على أساس شعاراتها وكلماتها المزيفة لا أفعالها، وعلى أساس هتافاتها الكاذبة للمسجد الأقصى وفلسطين لا سجلها الدموي الحقيقي في المنطقة. لكن الدول لا تفهم من خطاباتها وحدها، بل من أثرها في محيطها.
وهنا يبرز السؤال الحقيقي، ماذا كان أثر إيران في عالمنا العربي والإسلامي خلال العقود الماضية؟ في الحقيقة، الجواب لا يحتاج كثير عناء؛ فقد كان أثرها الكارثي في دول أنهكت، ومجتمعات انقسمت، وميليشيات تمددت، وهويات وطنية ضربت، ونزاعات طائفية جرى الاستثمار فيها بدم بارد. كل من لديه ذرة عقل يعلم بأن ما تتبناه إيران في المنطقة ليس مشروع نهضة البتة، ولا مشروع تحرير، ولا مشروع وحدة إسلامية، بل هو مشروع نفوذ صرف، يستخدم الدين والمظلومية حينا، والشعارات الكبرى التي تدعي زيفا نصرة قضايا الأمة الإسلامية حينا آخر، لكنه في نهاية المطاف يخدم المصلحة الإيرانية أولا وأخيرا.
ولذلك فإن العقلاء لا تنطلي عليهم هذه البضاعة المكشوفة. من يعرف تاريخ إيران في العراق وسوريا ولبنان واليمن ودول الخليج ويدرك طبيعة تحالفاتها البراغماتية، لا يمكن أن يبتلع بسهولة خطاب أن «إيران تمثل العالم الإسلامي وتسعى لوحدته». العالم الإسلامي أكبر من أن تختزله دولة واحدة مثل إيران، وأشرف من أن تحتكره سلطة قامت سياستها الإقليمية على التعبئة الطائفية والاختراق، والهيمنة، وتغذية الفوضى.
الخلاصة التي يجب أن تقال بوضوح، ليس كل من رفع شعار الإسلام صار ممثلا له، وليس كل من هتف لفلسطين أو صرخ ضد إسرائيل صار صادقا في مشروعه، وليس كل خصومة بين إيران والولايات المتحدة تعني أن إيران تقف في صف الأمة. التاريخ لا يقول ذلك، والواقع لا يؤكده، ودول المنطقة دفعت ثمنا باهظا لتعلم هذه الحقيقة.
إيران دولة تبحث عن مصالحها، وهذا مفهوم في منطق الدول. لكن غير المفهوم هو أن يصر بعض الناس في عالمنا العربي والإسلامي على تسويق إيران لنا كأنها ضمير الأمة، بينما سجلها الأسود في المنطقة يروي قصة أخرى تماما.












0 تعليق