التكامل بين الوظيفة والرسالة منهجية محمد العقلا الإدارية - حالة دراسية -

مكه 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
التكامل بين الوظيفة والرسالة منهجية محمد العقلا الإدارية - حالة دراسية -, اليوم الثلاثاء 27 يناير 2026 09:57 مساءً

يعمل العديد من المسؤولين وأصحاب المناصب الإدارية في القطاع العام بتفان وإخلاص ونزاهة، ولكن ما يعكر صفو هذا الإخلاص ويربك المسؤولية الإدارية في كثير من الأحيان هو هيمنة المفاهيم الخاطئة عند تطبيق الأنظمة. فالقليل من موظفي القطاع العام ينجحون في الجمع بين جودة العمل الوظيفي والفهم الصحيح لروح النظام وتطبيقه، والذي غالبا ما يتكامل مع رسالة الموظف، عملا بالتوجيه النبوي: (إن الله تعالى يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه) [صحيح الجامع]. ويعد الرفق والإتقان والعمل بروح النظام الذي يشتمل على التيسير مع العاملين والمستفيدين، والسعي للتطوير والتجديد في أي قطاع إداري، من مقومات النجاح الإداري.

لا تهدف هذه المقالة إلى استعراض المناصب المتعددة التي تقلدها معالي الدكتور محمد بن علي العقلا - رحمه الله - (1378-1447هـ)، ولا إلى تفاصيل المحاضرات والندوات والمؤتمرات التي شارك فيها، أو الأبحاث والدراسات التي طورها أو أسهم بها مع غيره. كما أنها لا تتطرق إلى الصفات والخصال الحميدة المتواترة عنه، والتي أفاضت فيها الكثير من الأقلام، وغصت بها وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي. وإنما ينصب التركيز هنا على جانب قد يغيب عن بعض موظفي القطاع العام، وهو: استشعار مسؤولية (روح النظام) بما يتجاوز التقيد الحرفي بمواده ونصوصه، مع استحضار الرسالة المسؤولة تجاه عامة الناس وخاصتهم، وتطبيق أخلاقيات وقيم تضمن أن تكون منظومة العمل فريقا إداريا واحدا، يتسم بالإبداع والابتكار والإنتاجية والمرونة الإدارية.

بعد وفاة العقلا، ضجت وسائل التواصل الاجتماعي بنشر مقالات وكلمات عديدة، جمعها الإشادة بإدارته المرنة ونجاحه القيادي. تأتي هذه الإشادات في وقت تعاني كثير من المؤسسات والكيانات الإدارية تجاه ندرة القيادات الفاعلة، لا سيما في ظل غلبة المدارس الإدارية المزدحمة بالنظريات والرؤى النظرية. هذه المدارس تميز بين القائد الإداري التقليدي الذي يقتصر دوره على تسيير شؤون الإدارة، والقائد الذي يحدث فرقا بالتطوير، ناقلا الكيان أو المؤسسة أو الجامعة من وضعها السابق إلى حاضر متميز، ليبقى إرثا مؤسسيا منتجا وليس مستهلكا. وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما وصف ندرة القائد الفاعل والقيادة الناجحة بقوله (إنما الناس كالإبل المائة، لا تكاد تجد فيها راحلة) [صحيح البخاري].

لم يسع أبو طارق العقلا ليصبح صاحب مشروع علمي أو خيري بمعزل عن الآخر، بل تميز بمنهجيته الإدارية التي جمعت بين الأمرين معا، فخدم كلا المشروعين من خلال التيسير على الآخرين، خاصة أنه وازن بين وظيفته ورسالته الأخلاقية في دينه. لقد دعم الآخرين من طلاب وأساتذة وعامة وخاصة، بشجاعة إدارية ملحوظة كسرت جمود العمل الوظيفي التقليدي، وشهد له القاصي والداني بذلك. بهذا الجمع الحصيف، أصبح منافسا لأصحاب المشاريع المتعددة والمتنوعة، مجسدا مبادئ أساسية، وجامعا لقيم إدارية أخلاقية تزخر بها تشريعات دينه، كما هي: "الدين المعاملة"، و"الدين النصيحة"، و"الدين الإخلاص"، و"الدين الإحسان"، و"الدين صنائع المعروف"، و"الدين العطاء ونفع الناس"، و"الدين التواد والتراحم والتعاطف وحسن الخلق"، وذلك في تعامله مع قضايا مجتمعه وأمته ووطنه. لقد رسم بذلك نموذجا مثاليا، استدعى أن تدرس ممارسته الإدارية كمنهج متكامل و"حالة دراسية لمدرسة في الإدارة" تتسم بالمرونة والعمل بروح الأنظمة. والإدارة المرنة الناجحة - في رأيي - هي العمل بكل ما هو متاح من الأنظمة والتعليمات لتحقيق ثلاثة أهداف: تطوير الكيان الإداري أولا، وتيسير الأمر للمستفيد ثانيا، وتطبيق مرونة ذكية ضمن الضوابط ثالثا. يضاف إلى ذلك تميزه الكبير في العلاقات الأخلاقية بمستوياتها المختلفة مع المسؤولين والمرؤوسين والمجتمع. هذه العناصر الأربعة تعد أساسيات للنجاح الإداري. وتؤكد الاقتباسات المختارة من مقالات النخب الواردة في هذه المقالة وغيرها عن العقلا، حالات الإجماع على أهمية جوانب التطوير، والتيسير، ومرونة العمل، وتوظيف العلاقات في إدارته المرنة.

كان من أبرز إنجازات هذا التطوير، افتتاح كليات علمية جديدة بالجامعة الإسلامية، بالإضافة إلى تقديم دبلوم شرعي للدارسين فيها. وشمل التطوير توسعا كبيرا في تسهيلات الدراسات العليا، سواء داخل الجامعة أو خارجها عبر الابتعاث، إلى جانب سلاسة التوظيف في جميع قطاعات الجامعة. كما شهدت الفترة إقامة العديد من المؤتمرات والمحاضرات والمواسم الثقافية، فضلا عن إنشاء معرض متخصص بثقافات الشعوب، نظرا للتنوع الكبير في جنسيات الطلاب المبتعثين.

شهادات وشهود

حظي هذا التطوير المشهود بتغطية واسعة من قبل العديد من الكتاب والأكاديميين، ومن ذلك ما كتبه الدكتور عبدالغني بن ناجي القش «عملت معه طيلة فترة قيادته مديرا للجامعة الإسلامية، وقد كنت قريبا منه في معظم خطواته الجليلة وأعماله الكبيرة التي ما زال منسوبو الجامعة يتفيؤون ظلالها الوارفة، وكانت البداية من القاعة التاريخية، ثم مباني الكليات، فمشروع إسكان أساتذة الجامعة ومنسوبيها، والملاعب الجديدة، وقاعة الاحتفالات، والملاعب والمسابح وغيرها، حيث كان يخطط لإقامة مضمار للخيل، وأيضا قاعة كبرى تستوعب آلاف الحاضرين في فكر يخرج من نطاق المحلية ليعانق العالمية».

وقد أكد الدكتور عبدالرحمن بن علي الغامدي عن إدارته المتميزة وجهوده الواضحة كذلك، من خلال الأثر الذي تركه في تحقيق أهداف الجامعة ورسالتها العالمية، بقوله «رجل قضى أعواما عديدة في مؤسسات أكاديمية وإدارية وتعليمية متعددة، حيث كان يعمل بأسلوب العمل الناجح وبمبدأ الإدارة بالأهداف، أحسن للجامعة الإسلامية بتأسيس كليات نوعية متعددة، في تخصصات معينة تخدم سوق العمل، وتحد من انتقال خريجي الثانوية العامة إلى خارج المدينة المنورة. وحيث أن لكل جامعة أهدافا ثلاثة، فإنني أزعم أنه قد حقق تلك الأهداف بكل كفاءة مهنية، واقتدار علمي وعملي، ومنهجي وتنفيذي على أعلى المستويات. فقد أحسن إلى أولئك المغتربين من دول كثيرة ومتعددة بحل مشاكلهم الدراسية والاجتماعية. أما فيما يتعلق ببرامج الدراسات العليا، فإن الجامعة أصبحت حينذاك كخلايا النحل التي تعمل ليل نهار، فأزهرت وأينعت تخدم المجتمع في مجالات وتخصصات عدة».

أسهب الأستاذ الدكتور فريد بن علي الغامدي، وكيل جامعة أم القرى، في وصف صفات ومعايير الإداري الناجح، وذلك عندما تناول منهجية العقلا المتميزة، ومما قاله في هذا السياق: كان يرى في كل أستاذ أو طالب أو موظف "إنسانا" قبل أن يراه "رقما وظيفيا"، فيستمع لحاجاتهم ويحتوي ظروفهم، ويفتح لهم أبواب الأمل حين تضيق بهم الحياة. كان يمارس أعمق صور القيادة: قيادة القلوب. فقد كانت قراراته بكل مكوناتها ومستويات صدورها ضميرا يؤسس للتطوير ويضبط الأداء قبل أن تكون أوامر أو قوانين تصدر لمن معه. وكان يقول: لا قيمة للإدارة إن لم تحترم الإنسان الذي تخدمه. ولم يكن ذلك شعارا؛ بل ممارسة يومية لمسها كل من تعامل معه. نماذج قليلة يجتمع فيها العلم، والإدارة، والتواضع، والإنسانية، والنقاء... وقد كان واحدا من هذه النماذج الفريدة. بعض الرجال لا يموتون... بل ينتقلون من الساحة إلى الذاكرة، ومن الكرسي إلى القلب.

وكتب الأستاذ عبدالله الجميلي عما يعرف بالاستثنائية الإدارية، وهو ما يرشح هذه الاستثنائية متعددة الصور، إلى قراءتها من أساتذة الإدارة كتجربة إدارية تميز بها العقلا، وكان مما قال «كان استثنائيا في إدارته، وقبل ذلك بإنسانيته، فقد كان (استثنائيا) في كل تفاصيل حياته... وسيبقى (استثنائيا) في تاريخ الجامعة الإسلامية فقد قادها للتطور في شتى المجالات. العقلا كان استثنائيا في إنسانيته التي لا حدود لها، في تعامله مع الموظفين، سعى أن يحظى الموظفون بالترقيات التي يستحقونها بعد سنوات من التجميد الوظيفي، أما الطلاب فقد كان معهم (استثنائيا) قولا وفعلا».

تميزت منهجيته الإدارية بالتعامل المحترم، والمشورة السديدة تجاه الأساتذة والطلاب، وكذلك عامة الناس ومن يحتاجون إلى إنجاز شؤونهم العلمية والإدارية بلطف ورحمة. لقد كان مثالا للشخص الذي يؤلف ويألف غيره، وقد أكرمه الله بتلبية حاجات كل من قصده، وكأنه يضع الشق الثاني من هذا الحديث النبوي الشريف نصب عينيه: (اللهم من ولي من أمر أمتي شيئا فشق عليهم فاشقق عليه، ومن ولي من أمر أمتي شيئا فرفق بهم فارفق به) [صحيح مسلم]. كما طبق إداريا بمصداقية القاعدة النبوية: (يسروا ولا تعسروا، وسكنوا ولا تنفروا) [صحيح مسلم].

بناء على ما سبق، فهل ستشكل هذه المنهجية الإدارية، بمعاييرها وقيمها الفريدة، أنموذجا تستلهم منه الأجيال الصاعدة في مواقع الريادة والمسؤوليات الإدارية؟

ومن يطالع المقالات الكثيرة التي كتبت عن العقلا ومنهجيته الإدارية في الصحافة المحلية الورقية والالكترونية، يدرك أهمية حضور هذه المدرسة المرنة ضمن نظريات الإدارة المحلية المعاصرة. وللقراءة أكثر حول موضوع التجربة الإدارية التي خاضها مدير الجامعة الإسلامية، يمكن القراءة في موقع القطاع الثالث للاستشارات والدراسات الاجتماعية، والتي وردت بعنوان (رموز نخبوية بأقوال مختارة عن منهجية الدكتور محمد العقلا الإدارية)، الرابط التالي: https://tinyurl.com/4u82u4fy.

رحم الله الفقيد، وجعل ما قدمه من أعمال علمية وإدارية في موازين حسناته، صدقة جارية ووقفا إلى يوم الدين. والله ولي التوفيق.

أخبار ذات صلة

0 تعليق